وحلّق بي طائر الشجن في تلك السماء التي أظلت الجمال بكل فنونه وفتونه وجنونه في «أشبيليا».
جمال من حراك الصوت والضوء والصورة، يشفُّ ويرفُّ..يعزف على أوتار القلوب، ليملأ كل فراغات النفس العطشى لكل ما هو جميل.
طاف بي صوت قيثارة الشجن الراقي «فيروز»، القادم من «جنيف الشرق» الغني بوجدانه، إلى أجواء «الأندلس الحلم»، الذي انساب فجرا تحت الجفون في النوم..»وانتبهنا بعدما زال الرحيق وأفقنا ليت أنا لا نفيق»! أُدْنُ شيئا أيُّها القمرُكاد يمْحُو نورُك الخَفَرُ أَدلالٌ ذاكَ أم حَذَرُ يا نديم الروح من بلدي ومهما آنس المحب الوصال والقرب فإنه يظل حاضر»القلق» يستدعيه، لأنه مستوطن فيه، ينأى به ويدنيه لأدنى سبب..إنها الراحة بالتعب، ومن أجل هذا يقولون «تعبك راحة»..فهو يبكي ويضحك بلا سبب..يبحث عن سبب يرضي فيه رغبة ملحة تبقيه حيا في الحالين: حامل الهوى تعبُ يستخفّهُ الطربُإن بكَى يحقُّ له ليس ما به لعبُكلما انقضَى سبب منك عاد لي سببُتعجبين من سقمي صحتي هي العجبُ ....حينما نؤوب إلى الواحة الحُلم، يسعفنا العقل الباطن «الفُلّلي» بما استودعناه فيه من المشاعر..يحلق بها طائر الشجن، خطرات تحمل بوحنا ونوحنا وتباريحنا، تمضي بها وبنا فتطوي الماء واليابسة والأجواء بنفاثات أودعها فينا المبدع الأعظم..علمنا حرفين، حفظت هذه الأرض حتى لا تميد من تحت أقدامنا..وكما يُنبتُ «الحَبّ» عشبا تُزهر قلوبنا وتتفتح أكمامها، وتكبر بـ»الحُب» حتى تصبح أشجارا! محروم هذا الذي أثقلته مادة الجسد ولم يطلق روحه من أسرها لتسافر به في كل الدنيا، كأنها جناحا طائر..يتنقل في جنة الله في الأرض من فَنَنٍ إلى فننْ!