الإرهاب المسلح منتشر في مواقع كثيرة، وتحت مسميات وشعارات مختلفة، (داعش) في العراق وسوريا، ومعها (عصائب الحق) و(جبهة النصرة) و(أحرار الشام)، و(حزب الله) في سوريا ولبنان، ومعه (جند الإسلام) في لبنان، و(الحوثيون) في اليمن، و(أنصار الشريعة) في ليبيا، و(بوكو حرام) في الصومال، وغيرها وغيرها، ولكل تنظيم أنصاره ومؤيدوه وداعموه والمتعاطفون معه في معظم الدول العربية، إن لم يكن فيها كلها، ولكل منها امتداداته وخلاياه في تلك البلدان، هذا فضلا عما يمارسه النظام السوري بحق شعبه، وما فعلت وتفعل إسرائيل بحق الفلسطينيين، وما قامت وتقوم به إيران من دعم لكل التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وبوضوح صارخ دعمها لحزب الله والنظام السوري، وللحوثيين في اليمن، فهل التحالف الذي يجري بناؤه الآن بقيادة أمريكا ومشاركة نحو أربعين دولة، وضع في حسبانه القضاء على كل هذا الإرهاب، وعلى أسبابه ودواعيه ومنابع تغذيته، أم أن الأمر فقط حشد عسكري ضد (داعش)؟ لقد جربت أمريكا ومعها عدد من دول العالم محاولة القضاء على الإرهاب منذ أن وصل عقر دارها في ٢٠٠١، وعلى مدار ثلاث عشرة سنة لم يتحقق النجاح المطلوب، فالقاعدة التي كانت هي الهدف لم تمت، وإنما خمدت ثم خرجت مرة أخرى بعدة رؤوس في مواقع كثيرة من العالم، وفي منطقة الشرق الأوسط بصورة خاصة، وسبب الفشل كما هو واضح أن الآلية اعتمدت على الجانبين الأمني والعسكري، وأهملت الأسباب أو تجاهلتها، فظلت المنابع تتدفق، وبقيت أسباب النشأة ودوافع الظهور قائمة، ولهذا فبدلا من أن يتقلص الإرهاب تمدد وانتشر.
إذا اكتفى التحالف الجديد بالسعي إلى اجتثاث (داعش) وحده، من خلال حشد عسكري جوي وبري، فإنه سينجح في دحر (داعش) حتما، لكنه لن يحقق أي نجاح يذكر في محاربة الإرهاب، وكل الذي سيحدث هو تغطية جمره تحت كثبان من رماد الحرب العسكرية، ولن يلبث هذا الجمر أن يشتعل مرة أخرى خلال سنوات قليلة، ثم تعود مرة أخرى قصة بناء تحالف جديد وتكرار تجارب فاشلة.
أتصور أن على التحالف الجديد أن يتبنى حقيقة أن (داعش) ليس الإرهاب كله، وإنما هو جزء منه، ومكافحة الإرهاب تستدعي القضاء عسكريا على كل تنظيماته المسلحة أينما وجدت، وفي موازاة ذلك وضع خطة شاملة من خلال الأمم المتحدة تلتزم بها كل دول العالم للقضاء على منابعه واجتثاث أسبابه، أيا كانت، سواء السياسية والفكرية منها أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها، وعلى كافة الدول العربية أن تستيقظ من غفلتها الطويلة وتلتفت إلى إصلاح أوضاعها الداخلية حتى لا يبقى جمودها ذريعة أخرى للإرهاب، وحتى لا تبقى تستجدي (شرطي العالم) لحمايتها، فهذا الشرطي، الذي لا يهمه هو ومن في فلكه سوى امتصاص ثروات الشعوب تحت ذرائع مختلفة، لن يعدم أن يجد مبررا أو يستنبته للتدخل طالما الأرض خصبة لتحقيق مطامعه، حتى لو تكررت تجاربه الفاشلة ألف مرة.
(داعش) ليس كل الإرهاب: التحالف الجديد وتجربة فشلت!
قينان الغامدي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
