استكمالاً لما بدأنا به في المقال الماضي لمحاولة البحث عن إجابة لسؤال: لماذا بعض الشاب السعودي مهيأ للتطرف وممارسة الإرهاب؟ واستدراكاً لما قلناه بأن رمي تهمة التطرف على المناهج الدراسية هو جزء من الحقيقة، ونقول جزء من الحقيقة لأن هذه حقيقة إذا كنّا ننظر للنتائج لا للأسباب كما أسلفنا، فالمناهج الدراسية كل ما قامت به هو النقل من كتب التراث، وهي كتب تمارس دور الوصاية والرأي الواحد (الحقيقة).
ولهذا يدخل الطالب المدرسة الابتدائية، ويخرج من بوابة الجامعة وهو لم يسمع -مثلاً- أن كشف وجه المرأة مسألة خلافية، بل كان كشف المرأة لوجهها هو المثال السائد والتقليدي للتبرج، وكان رأي العالم السلفي (السعودي تحديداً) هو القول الفصل.
وإن حاول الطالب التمرد والبحث عن مصدر آخر فإنه لن يجد إلا كتبا تحمل الرأي الذي لُقن إياه في المدرسة ولكن بتفاصيل أكثر، وبلغة أكثر حِدة وتقريعاً لصاحب الرأي الآخر، بل قد يصل الأمر للتحذير منه ومن أفكاره التي لا تريد بالإسلام خيراً.
وكمثال على طريقة التلقين والتحذير من رأي الآخر -رغم أنه رأي شرعي مبني على اجتهاد كما هو رأي علمائنا- فإننا نلحظ كيف نتعامل مع الرأي الآخر في هذا المثال الذي أنقله نصاً: (ولا ينبغي لأحد من الناس العدول عن طريقة آل الشيخ رحمهم الله، ومخالفة ما استمروا عليه في أصول الدين، فإنه الصراط المستقيم، الذي من حاد عنه فقد سلك طريق أصحاب الجحيم، وكذلك في مسائل الأحكام والفتوى، لا ينبغي العدول عما استقاموا عليه، واستمرت عليه الفتوى منهم، فمن خالف شيئاً من ذلك، واتخذ سبيلاً يخالف ما كان معلوما عندهم، ومفتى به عندهم، ومستقرة به الفتوى بينهم، فهو أهل للإنكار عليه والرد لقوله، ونحن نعلم أن الأحكام التي يُحكم بها الناس والفتاوى التي يفتون بها لا تخلو من الخلاف، وهذا أمر يعرفه من له أدنى معرفة، لكن الخلاف بين الناس خصوصاً في جهة نجد لا بد أن يكون سبب شر وفساد وفتنة، وسد باب الشر والفتن أمر مطلوب في الشريعة، بل هو أعظم مقاصدها، كما لا يخفى).
هذا النقل من (الدرر السنية) وهو أكبر من أن يعرّف، فهو مرجع للكثير من الوعّاظ، ولا تكاد تخلو منه مكتبه، وبالذات مكتبات المساجد، وكما يتضح من النقل أعلاه، فالخلاف -كما يقول- يعرفه من له أدنى معرفة، لكن الخلاف في (نجد) هو (بالضرورة) شر وفساد وفتنة، وهكذا ينأى الشاب بنفسه عن معرفة الخلاف كي لا يكون مصدراً للفتنة والفساد، وقد مارس كثير من الوعّاظ المشاهير هذه (القاعدة) -أعني ما يجوز في غير نجد فإنه لا يجوز بها- فرأينا من يتساهل بمسائل كشف الوجه في حديث موجه لغير السعوديين (قبل أن يتراجع لاحقاً بحجة أن الكلام موجه للآخر!)، أو من يقيم ندوة مختلطة في دولة عربية ويرفض الاختلاط في المملكة، فهذه الممارسات التي تبدو متناقضة هي في الحقيقة تعبّر عن قناعة في اللاوعي أكثر من كونها محاولة للتمرد أو للتسامح، هذا ما يحدث من وعّاظ وطلاب علم، فما بالك بالشاب العادي الذي يقرأ (من حاد عنها -طريقة آل الشيخ- فإنه من أصحاب الجحيم)؟!أوشكت المساحة على النهاية، ولعلها فرصة أن أطلب من العلماء في كافة الحقول العلمية دراسة جادة عن الأسباب التي جعلت بعض شبابنا وقود الصراعات في العالم، أقول (دراسة جادة) لأن أغلب الآراء هي مبسترة ومتعجلة، نريد دراسات اجتماعية تبحث عن الجذور، ورؤى شرعية تتجاوز التكفير المضاد.
التطرف والمنهج (الظاهر).. الدرر السنية أنموذجاً
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
