عندما انفتح المشهد العراقي، كاملا وواضحا، أمام الأمريكيين، بعد إطاحة نظام صدام حسين، تعلم هؤلاء درسا عميقا، لعل أهم ما فيه، أن القوات العسكرية الأجنبية على الأرض، تُعقّد الأمور وتغوص في رمال متحركة، وينقلب سحرها عليها.
وعلى هذه الحقيقة بنى الرئيس أوباما خطته للقضاء على «داعش» مستدركا كون الاستنكاف عن نصرة ثورة السوريين السلمية ثم المسلحة المعتدلة، هو الذي حقق الغلبة لإرهابيين فانطلقوا إلى العراق.
اليوم تعيّن على إدارة أوباما، المتهمة بالضعف، أن تتحرك لحشد تحالف دولي واسع للمشاركة في مهمة القضاء على «داعش».
في هذا الخضم، يستذكر الأمريكيون سوء تقديرهم حول الأوضاع في ليبيا وخيبة أملهم.
فقد ظهر لهم لاحقا أن أتباع «السلفية الجهادية» يقفون على أرضية واحدة مع جماعة «الإخوان» المسلحة التي تفوقها عددا وإمكانات وقوة.
ومن المفارقات أن الأمريكيين وبعض أعضاء التحالف الجديد ضد «داعش» كانوا في الحوارات الهادفة إلى تكريس نظام جديد في ليبيا، يؤيدون غلبة «الإخوان» وحكمهم، وهذا ما ذكره القطب الليبي المعارض محمود جبريل في روايته للأحداث التي جرت أثناء الثورة وبعد القضاء على القذافي.
بل إن الإدارة، ومن ورائها محللون ومراكز أبحاث؛ توصلت إلى قناعة بأنها لن تجد أصدقاء حقيقيين من أي طيف عربي في حال انفرادها بمهمة التغيير في أي بلد.
لذا كانت حريصة هذه المرة، على حشد دعم دولي كبير، في مواجهة تنظيم جامح وخطير!غير أن الجانب العربي، الذي شارك في التحضير لقيام التحالف الجديد، كان هو الآخر قد تأهل على نحو أفضل، واستفاد من دروس شتى وأنضج لغته ورؤيته.
قيل للأمريكيين إن لتنامي ظاهرة الإرهاب الذميم، باسم الدين، أسبابا عدة، من بينها السبب السياسي الذي تمثله سلبية واشنطن حيال إسرائيل وعربدتها وجرائمها.
ربما لم يسمع الأمريكيون وصفا للمجازر الإسرائيلية باعتبارها «داعشية» كبرى تستوجب المواجهة لتجفيف مصدر رئيس للغضب الذي تستغله الجماعات والتنظيمات المتطرفة ويساعدها على التحشيد.
وربما لم يسمع الأمريكيون أن المواجهة الفعالة للإرهاب، تتطلب كبح جماح إرهاب الدولة الذي أخذوه في الاعتبار بالنسبة لسوريا ولم يؤخذ في الاعتبار بالنسبة لإسرائيل!وليست هذه الثغرة الظاهرة في الموقف الأمريكي، هي وحدها التي ستخلق لهم وللمنطقة الأزمات تلو الأخرى.
إن هناك، في التحالف الجديد، ما ينم عن ارتباك سيظهر من جرائه المزيد من الثغرات في أمن المنطقة.
فقد سارع الغرب إلى تقديم العون العسكري لثلاثة أطراف، تختلف في الكثير من المسائل المهمة، لكنها لا تختلف على مقاتلة داعش.
هذه الأطراف، هي القوى الحزبية الأصولية الشيعية التي تمسك بزمام الحكم، والعرب السنة الرافضون للإقصاء، والأكراد الذين يطمحون إلى مساحة أكبر من الأرض ومن الثروة.
فقد كان الأوجب، قبل جمع الحشد ومناقشة الأدوار، الاهتمام بتهيئة سياسية لمسرح الحدث، وإعطاء العرب الدور الأول في رسم صيغة الحكم في العراق وفي سوريا تاليا، لأن شعوب هذه البلدان، هي أولا وأخيرا تنتمي إلى أمة واحدة.
لقد فاجأت «داعش» عراقيي الحكم والمعارضة السُنية والأكراد، بسيطرتها على الأرض، وطوت الأطراف الثلاثة خلافاتها التي أوشكت على الانفجار الشامل، لكي تتخلص أولا من عدو يشوّه صورة الشعب العراقي بكل أطيافه، ويشوّه الدين الحنيف.
ففي أزمة «داعش» سنحت الفرصة لعقد مؤتمر حول العراق، تُحسم فيه المسائل الدستورية الخلافية، ومسألة من يأخذ ماذا من الحكم، وتُحسم فيه الخرائط، توخيا لمستقبل آمن ومستقر للعراق الفيدرالي، ويُكبح جماح الأصوليات المتطرفة.
ربما لهذا السبب، كان رد الفعل المصري فاترا حيال حماسة الأمريكيين للقضاء على «داعش» دون سواها ممن يهددون السلم الأهلي ويحملون السلاح وينفذون التفجيرات!
ثغرات في التحشيد ضد الإرهاب
عدلي صادق3 دقائق للقراءة

حجم الخط
