تعد هجرة الأدمغة أو ما يعرف بـ”Brain Drain” معضلة تعاني منها معظم الدول النامية ودول العالم الثالث بوجه عام، إذ تتسبب هذه الهجرة في خسائر كبيرة تبقى آثارها لسنوات إن لم يكن عقودا من الزمن.
وتخسر هذه الأوطان النخب المتعلمة والمبتكرة والباحثين المتميزين في فروع العلوم والمعرفة، بحثا عن فرص أكبر في دول ومؤسسات تتبنى أفكارهم وتنمي مواهبهم وتوجههم نحو التميز والنجاح.
وإيران تحتل المركز الأول عالميا من حيث هجرة النخب، إذ تشير الإحصاءات الدولية إلى أن ما بين 150 إلى 180 ألف متعلم إيراني يغادرون البلاد سنويا، ويأتي على رأس القائمة، وفقا لتقرير نشره البرلمان الإيراني، الطلاب المتميزين في المسابقات العلمية والذين حصلوا على معدلات علمية عالية على مستوى الجامعات الإيرانية.
من جانبها، تشير هيئة الإحصاء السكاني في إيران إلى أن هناك نحو خمسة ملايين مهاجر إيراني موجودون في 22 دولة حول العالم، أي أن نسبة 6.5% من الإيرانيين يقيمون خارج البلاد.
من جهة أخرى، تتجاوز نسبة نمو معدلات الهجرة في إيران المعدلات العالمية والتي تقدر بـ3 %.
ويشمل هذا الرقم المهاجرين الإيرانيين بشكل عام سواء المؤيدين للنظام الحاكم في طهران أو المعارضين له.

 

هروب النخب

ولأسباب متنوعة، توجهت الطبقة المتعلمة في إيران خلال السنوات الأخيرة نحو الهروب من الضغوط السياسية بينما هاجر آخرون بحثا عن فرص اقتصادية أفضل في الخارج، وليقدموا كل ما يملكونه من إمكانات ومواهب في بيئة أكثر ترحيبا وتشجيعا مما يجدونه في إيران.
وقد أصبح هذا التوجه ظاهرة ملفتة للأنظار في إيران دون غيرها من دول العالم، مما قاد صندوق النقد الدولي خلال السنوات الأخيرة إلى وضع إيران في المرتبة الأولى عالميا من حيث هجرة النخب.
لقد غادر معظم الإيرانيين بلادهم، وهناك مئات آلاف المهاجرين الإيرانيين في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأوروبا الذين قاموا بتطوير مهاراتهم العلمية والفنية في مجالات عديدة مثل الطب والقانون والتكنولوجيا والجانب الأكاديمي والابتكاري.
ويرى البعض أن لدى هؤلاء رغبة كبيرة في مساعدة إيران وتقديم كل خبراتهم وإمكاناتهم للوطن الأم، ولكن البيئة السياسية الحالية في إيران تحول دون ذلك.

 

تصريحات عاطفية

في السنوات الأخيرة زادت وتيرة هجرة الشباب الإيراني إلى الخارج وقد أصبحت ظاهرة ملاحظة في المجتمع، فوفقا لإحصاءات رسمية إيرانية، يقطن 25% من الطلاب الإيرانيين الذين غادروا البلاد في الدول النامية، حيث يشكل الفتيات نسبة 40 %، وقد قام 5626 شابة إيرانية في جامعات تلك الدول، مما يشكل ارتفاعا بنسبة 19 % بالمقارنة مع أعداد المسجلين في العام الماضي (2013).
وهذه النسب قادت بعض المسؤولين إلى التطرق إلى ذلك والتعليق عليه، فبينما تشير الإحصاءات الرسمية من الداخل الإيراني إلى تفشي هذه الظاهرة، علق الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد على ذلك في أكثر من مناسبة وردا على المنتقدين لظاهرة “هجرة الأدمغة” بالقول: إن تعبير “هروب الأدمغة” من إيران مصطلح خاطئ، فنحن ليس لدينا شيئا اسمه “هروب الأدمغة” لأننا نرى أن معظم القيم الثقافية لشعوب دول شرق آسيا تكونت بسبب سفر الإيرانيين (إلى تلك الدول) وحيث ما يحل الإيرانيون يحل الخير والبركة والتقدم.
وعلى الرغم من التصريحات العاطفية والقومية نوعا ما، فإن النتائج البحثية الصادرة عن مركز أبحاث العلوم الإنسانية والثقافية في إيران تؤكد ارتفاع نسب سفر الشباب الإيرانيين إلى الخارج بهدف التحصيل العلمي، لكن نسبة ضئيلة منهم يعودون إلى البلاد بعد إتمام الدراسة.
ويتوقع متخصصون في حقل دراسات الهجرة أن أعداد المهاجرين الإيرانيين ستستمر على هذه الوتيرة وقد ترتفع خاصة إذا استمرت العوامل البنيوية التي تدفع بالإيرانيين نحو الهجرة.
وفي هذا الصدد، يشير صندوق النقد الدولي أيضا إلى أن من بين الطلاب الإيرانيين الذين يدرسون في الخارج ويرفضون العودة إلى البلاد بعض أبناء كبار المسؤولين في النظام الإيراني.
ويشير موقع جوان آنلاين الإيراني إلى أن ثلاثة آلاف من أبناء المسؤولين الإيرانيين يتلقون تعليمهم في الخارج ولا يرغبون في العودة إلى البلاد.
ويضيف هذا الموقع: منذ ثلاث سنوات تقريبا بذلت عدة جهات من بينها البرلمان، وزارة العلوم ووزارة الخارجية جهودا مضنية لإعادة أبناء المسؤولين الإيرانيين إلى البلاد، إلا أن جميع محاولاتهم قد باءت حتى الآن بالفشل.

 


نشاط ثقافي وسياسي

يسعى إيرانيو المهجر، خاصة النخب السياسية والثقافية والعلمية، إلى المساهمة في إعادة الثقة وتحسين صورة إيران في الخارج ووضع حد للعزلة التي تعيشها البلاد والتي انعكست سلبيا على الإيرانيين في الداخل والخارج، هناك حملات منظمة يسعى إيرانيو المهجر إلى القيام بها لتوفير بيئة مناسبة وعلاقة جيدة بين بلادهم الأم والوطن الجديد.
من الخيارات الأخرى التي يسعى المهاجرون من أصول إيرانية إلى القيام بها التوغل في الدهاليز السياسية في بلد المهجر وتشكيل كتل ضغط تخدم مصالح إيران في تلك الدول، وهناك تجارب ناجحة، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، في هذا الصدد.
فوفقا للاستبيان الوطني للرأي العام للإيرانيين الأمريكيين الذي أجرته العلاقات العامة لاتحاد الإيرانيين الأمريكيين (PAAIA) في 2013، فإن 19% ممن شملهم الاستبيان أكدوا بأنهم قد تطوعوا في حملات المرشحين السياسيين في الولايات المتحدة الأمريكية، بينما قام 29 % بكتابة رسالة أو إجراء اتصالا هاتفيا بالمسؤولين الحكوميين.
وبين 30 % ممن شملتهم الدراسة أنهم قدموا تبرعات مالية لصالح الحملات الانتخابية السياسية في البلاد.
وقد صرح الأمين العام للمجلس العالي للإيرانيين في الخارج بأن المهاجرين الإيرانيين يلعبون دورا بارزا في المجالات الثقافية والعلمية والسياسية في بلاد المهجر كما أن البعض منهم قد تسلم هيكلة بعض الإدارات والمؤسسات في تلك الدول.
من الأمثلة لنجاحات الإيرانيين في هذا الجانب، أصبح سيروس حبيب، في نوفمبر 2012، أول أمريكي من أصول إيرانية يتم انتخابه ممثلا لـ”المجلس التشريعي “State Legislature عن ولاية واشنطن.
وقد قام الأمريكيون من أصول إيرانية في معظم الولايات الأمريكية بدعمه خلال حملته الانتخابية.
ويرى مراقبون أن مثل هذه المساهمة في الحياة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية قد تسهم بشكل كبير في بناء علاقات سياسية إيجابية بين واشنطن وطهران.
يذكر أن أكثر من 25 % من الإيرانيين في الولايات المتحدة الأمريكية حاصلون على درجة الماجستير أو الدكتوراه.


خسائر فادحة

تتكبد إيران، سنويا خسائر فادحة بسبب هجرة الأدمغة وهروبها من البلاد.
يقول رضا فرجي دانا، وزير العلوم والبحوث والتكنولوجيا الإيراني، الذي سحب البرلمان الإيراني منه الثقة أخيرا، أن 150 ألفا من أصحاب المواهب والإبداعات العالية يهاجرون كل عام من إيران، الأمر الذي يعادل خسارة سنوية قدرها 150 مليار دولار.
ورغم أن هناك من يشكك في دقة هذا الرقم وطريقة حساب الخسائر هذه إلا أن أحد الأكاديميين الأمريكيين من أصول إيرانية يرى أن خسارة إيران أكبر بكثير من تقديرات الوزير.
وقال داود نبي راهني، أستاذ الكيمياء بجامعة بيس الأمريكية: يجب ألا ننسى وجود أعداد كبيرة من الإيرانيين الحاصلين على الجنسية الأمريكية، فضلا عن المهاجرين الإيرانيين غير الشرعيين في أمريكا، نتحدث إذن عن أرقام فلكية تصب في الاقتصاد الأمريكي من المهاجرين الإيرانيين، وإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، يستثمر هؤلاء الإيرانيون مليارات من الدولارات في دول مثل دول الاتحاد الأوروبي، الصين، تركيا، والإمارات العربية المتحدة، ولكن لم يقوموا بتوجيه أي جزء من هذه الثروات الهائلة إلى الداخل الإيراني، وفق ما أورده الإعلام الإيراني.


نظرة أمنية

تنظر إيران إلى المهاجرين من زاوية أمنية بحتة كما ترغب في أن يأخذ هؤلاء المهاجرون على عواتقهم تصحيح صورة إيران في الخارج.
ويقول رضا فرجي دانا، وزير العلوم والبحوث والتكنولوجيا الإيراني: لا ينبغي أن ننظر إلى المهاجرين بصفتهم تهديد للأمن القومي الإيراني، بل فرصة لخلق وحدة وطنية مع ضرورة الدفاع عن المواطنين الإيرانيين وفقا لتوجيهات المرشد الأعلى.
من جانب آخر، يؤكد قوام شهيدي، الأمين العام للمجلس العالي للإيرانيين في الخارج: لدينا قائمة تحتوي على 200 نوع من المهاجرين بناء على المهن والحرف التي يعملون بها وتم تصنيفهم في قائمة من 1-10، طبقا للتخصصات المختلفة.
وأضاف: يعمل هؤلاء في المجالات العلمية، الفنية، علم الفضاء، التكنولوجيا، المراكز السياسية والحزبية.
وبحسب العلاقة التي تربطنا بهم فإن الجميع تقريبا على علاقة متينة مع الوطن (إيران).
وأكد قوام شهيدي: إن تعذرت الاستفادة من جميع هذه الإمكانات، فيمكننا الاستفادة بنسبة 15 % على أقل تقدير من تلك القدرات وسيتم تعويض ما حدث خلال السنوات الماضية من عدم الالتفات للإيرانيين في الخارج.
إلى ذلك، يقيم الإيرانيون في المهجر بعض الاجتماعات السنوية أو الدورية للباحثين الإيرانيين حول العالم وينضم إليهم بعض المسؤولين الإيرانيين أيضا، ولكن ليس من الواضح ما إذا كانت الحكومة الإيرانية هي من تنظم بشكل مباشر أو غير مباشر هذه الاجتماعات والمؤتمرات التي يحضرها إيرانيون من عدة دول إضافة إلى حضور بعض المسؤولين في الحكومة الإيرانية أو أن المهاجرين الإيرانيين هم من يتكفل بذلك بشكل كامل، وإن كان كذلك، وهو أمر شبه مستبعد، فلماذا تصر الحكومة الإيرانية على المشاركة في مثل هذه المؤتمرات والندوات ذات الاهتمامات العلمية والثقافية المختلفة؟ولعل السؤال الذي قد يدور في خلد كل قارئ لهذه السطور هو كيف يمكن الدول العربية الاستفادة من النخب المهاجرة إلى الغرب لخدمة مصالحها وتشكيل قوى ضغط لها في الدوائر السياسية الغربية على غرار التجربتين الإيرانية والإسرائيلية؟ شخصيا، لا أملك إلا أن أقول “مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة”.


استثمارات المهاجرين في أمريكا

صرح رئيس اللجنة الثقافية والاقتصادية للإيرانيين في الخارج التابعة لمجلس الشورى الإيراني بأن متوسط استثمارات الإيرانيين المهاجرين حول العالم يقدر بنحو أربعة مليارات دولار.
ووفقا لدراسة نشرت في 2008 قام بها موقع “إدارة الأعمال الصغيرة”، يأتي المهاجرون الإيرانيون ضمن أعلى 15 مجتمعا مهاجرا بناء على عدد المشاريع التي يمتلكونها، حيث أشارت الدراسة إلى أن عدد الإيرانيين الذين لديهم مشاريع فعالة في البلاد يبلغ نحو 33.570 شخصا، وهو ما يعني أن الأمريكيين من أصول إيرانية يسيطرون على نحو 21.5 % من معدل ملكية المشاريع الصغيرة التي شملتها الدراسة.
ووفقا للدراسة المشار إليها، فإن صافي إجمالي دخل المشاريع التي يقدمها الإيرانيون الأمريكيون يبلغ نحو 2.560 مليار دولار.


.. وأعدادهم ترتفع في ألمانيا

نشرت إدارة الإحصاء الفيدرالية في ألمانيا إحصائية حول عدد المهاجرين إلى البلاد في 2013.
وبناء على هذه الإحصائية فقد ارتفعت أعداد المهاجرين لهذا العام مقارنة بالعام السابق.
وأشار التقرير إلى أن عدد المهاجرين القادمين من إيران قد تجاوز 8016 شخصا خلال 2013، وبلغ عدد الذكور منهم 4304 شخصا.


.. وأكثر المهاجرين إلى أستراليا

قال السفير الأسترالي لدى طهران في مقابلة معه نشرتها إحدى الصحف الإيرانية أخيرا: منذ بداية العام الجاري هاجر 6500 إيراني إلى أستراليا بطرق غير شرعية، وإن الإيرانيين يحتلون المركز الأول من حيث أعداد المهاجرين غير الشرعيين إلى أستراليا.
يذكر أن أستراليا أصدرت في منتصف 2013 قانونا يمنع دخول المهاجرين غير الشرعيين إلى البلاد مطلقا ويتم نقل جميع هؤلاء المهاجرين إلى ملاجئ في إحدى الجزر الأسترالية.
وفي هذا الصدد، يذكر السفير الأسترالي في طهران أنه منذ بداية 2013 استقبلت أستراليا 17272 مهاجرا غير شرعي، تم تهريبهم إلى البلاد باستخدام القوارب، تأتي إيران في المرتبة الأولى بـ6500 مهاجر، ويوجد حاليا في الملاجئ الأسترالية نحو 3350 مهاجرا إيرانيا.
ويضيف السفير: منذ 19 يوليو 2013، دخل إلى أستراليا 1990 مهاجرا غير شرعي من بينهم أكثر من ألف مهاجر يحمل الجنسية الإيرانية.
ويقدر السفير الأسترالي عدد المهاجرين الشرعيين الإيرانيين إلى أستراليا بنحو 2000 مهاجر سنويا، بينما يبلغ مجموع عدد الإيرانيين المقيمين في أستراليا نحو 30 ألف شخصا.