رغم مرور خمسة أيام على حادثة انهيار الساند الخرساني لجسر مشروع الدائري الأول بجبل الكعبة بمكة المكرمة، إلا أن الحزن ما زال يخيم على سكن عمال شركة بن لادن بمخطط النسيم بحي العوالي، فأسرّة ضحايا الحادثة باتت خاوية إلا من بعض مقتنيات ومتعلقات المتوفين من محافظ نقود وكتب دينية وصور لأطفالهم وأفراد عائلاتهم الذين كانوا ينتظرون عودتهم بفارغ الصبر ويعدون الأيام والليالي حتى تكتمل فرحتهم.
"مكة" تجولت داخل سكن العمال وعايشت لحظات حزن تقاطرت معها الدموع، حيث روى أقارب وزملاء المتوفين تفاصيل المشهد، إذ قال محمد رياض ابن شقيق المتوفى حافظ أحمد، إن عمه كان على وشك السفر لتزويج ابنته الكبرى ذات الـ 18 ربيعا، وظل يجمع المال لإتمام مراسم الزواج، رغم أنه ما زال يحمل على عاتقه دينا قدره 15 ألف ريال صرفها في إجراءات وصوله إلى مكة للعمل، مضيفا أنه يسكن في منزل شعبي متهالك مكون من غرفة بمنافعها في قريته «جنبك» التي يقطنها وأفراد عائلته السبعة.
وأوضح ابن شقيقته صدام أن خاله عرف بدماثة الخلق والاستقامة، حيث كان يؤم العمال في الصلاة منذ كانوا يتولون مهام إنشاء جامعة الملك عبدالله في ثول لست سنوات، وبعد انتقاله للعمل بمشروع توسعة الحرم المكي كان يحرص على أداء فروضه بالمسجد الحرام وقيام الليل في السكن وتلاوة ومراجعة القرآن الكريم الذي حفظه في طفولته.
غياب 3 سنوات
في المقابل تحدث مسؤول سكن عمال شركة بن لادن، أحمد هاشم عن كفاح عارف محمد الذي وافته المنية في حادثة الانهيار، مشيرا إلى أنه كان يتأهب للسفر بعد غياب دام ثلاث سنوات عن ذويه، ويعتزم المغادرة إلى موطنه باكستان عقب الحج مباشرة.
وقال إن المتوفى أبلغه بشراء قطعة أرض في قريته «سيال كود» جنوب إقليم البنجاب، ويحلم أن ينشئ عليها مسكنا يؤويه وأطفاله الصغار، لكن مشيئة الله أرادت تكون الحادثة المحطة الأخيرة في حياته، لافتا إلى أنه حدثه عن مهاتفة صغاره له ومطالبتهم بالسفر المبكر ليشهد عيد الأضحى معهم.
السيول أشغلته
ولم يكن المتوفى الثالث في الحادثة زهور أحمد مختلفا عن سابقيه، حيث كان هو الآخر يستدين من بعض زملائه بغية سرعة إرسال المال لقريته «جمو كشمير» بالهند، في أعقاب تعرض منزل أسرته للسيول التي جرفته معها، وإخضاع والده وأحد أطفاله لعمليتين جراحيتين، وأضاف محمد فهد أنه كثيرا ما كان أحمد يستيقظ من نومه في ساعات متأخرة من الليل ليقضي ما تبقى حتى موعد صلاة الفجر في القيام ومناجاة ربه لتخفيف ما أصابه من كرب وضيق في المعيشة.
الانطوائية والقلق
وتابع محمد فهد أن المتوفى الرابع نور كازي وهو أحد سكان قرية راجستان بالهند كان طرأ عليه قبل الحادثة بيومين تقريبا الكثير من السرحان وبدا انطوائيا على نفسه معظم أوقاته داخل السكن، بخلاف ما كان عليه في السابق من مرح وبشاشة، كما أنه كان يقضي جل أوقاته في الاتصال ببناته الثلاث ومحادثتهن وكأنه يودعهن دون أن يدري، حتى إن آخر مهاتفة لهن سبقت الحادث بدقائق قليلة.
يحلم برؤية مولوده
إلى ذلك حكى زملاء وأقارب المتوفين لـ»مكة» أن المتوفى الخامس لطيف محمد لم يمض على قدومه إلى مكة للعمل بمشروع توسعة الحرم أكثر من شهرين، بعد أن اقترن بإحدى بنات الأسر بقريته «ازاد كشمير» بباكستان، حيث رزق بمولوده الأول الذي لم يشاهده، وكان يمني نفسه بالسفر لرؤيته في أقرب فرصة، وأجمع زملاء المتوفين عزمهم على أداء شعائر العمرة وبعضهم للحج عن زملائهم المتوفين، مشيرين إلى أن اللحظات التي عاشوها معهم داخل السكن من حب واحترام وإخاء بمشاعر صدق ستبقى خالدة في نفوسهم مدى حياتهم.

