المسألة بسيطة في المسرح الاجتماعي، لا يجب أن تمطر المشاهدين بسيل من العبارات الخطابية أو النصائح المباشرة لكي تنجح، ربما هذا ما وضعته مسرحية »الرحلة« في اعتبارها رغم أنها لم تكن المرة الأولى التي يطرح فيها موضوع المبتعثين على خشبة المسرح، ولكنها قد تكون إحدى أكثر المحاولات جدية في وضع قالب فني حقيقي لطرح هذا الموضوع، بحيث لا يدور فقط في فلك إثارة النكات المجردة عن أشخاص يتعرضون لصدمة حضارية بمجرد مغادرة أرض الوطن بغرض الدراسة في الخارج.
العمل الذي تم تقديمه ضمن الفعاليات المسرحية الدورية التي تقدمها أمانة مدينة الرياض، يقوم على فكرة أساسية هي أن الشخص يصنع مصيره ومستقبله الأبدي من خلال خياراته وتصرفاته اللحظية، حيث تم تجسيد هذا التصور في قصة بسيطة حول ثلاثة شباب سعوديين؛ فايز المالكي، نايف فايز، محمد علي، مبتعثين في الولايات المتحدة كانوا يدركون تماما أن عليهم مسؤولية محددة في العودة بشهادة عالية لخدمة الوطن، غير أن انحيازهم اللا إرادي لفكرة الترفيه المجرد حوّل رحلتهم إلى مسار آخر، قبل أن يكتشفوا أن هذا الترفيه استغرق سنتين كاملتين دون تحقيق منجز دراسي يذكر، وهو ما يعني ببساطة «العودة بخفيّ حنين» وهي العبارة التي كان يقولها أحدهم مستمتعا بفصاحتها، وبكونه ما زال يحفظها حتى الآن «كانوا يقولونها لنا أيام المدرسة»!ورغم التوقعات المبدئية بأن تسيطر مشاركة الفنان فايز المالكي على هذا العرض، إلا أن الرؤية النهائية استطاعت أن توظف النجم التلفزيوني ليكون أحد عناصر العمل دون التأثير عليه والاستئثار به، فقد أتاح المخرج خالد الباز مساحة كافية للشخصيات الرئيسة، بحيث يبدو كل منهم بطلا بطريقته، كما تحكم بالحوارات ذات الطابع الجاد والمباشر فكانت تأتي بحدود واضحة لخدمة النص ونقله من مرحلة لأخرى، في حين تم إضفاء التنويع على المسرحية، بمشاهد فلاش باك تولد داخل المشهد الحقيقي، وبعمل تشكيل رمزي باستخدام ألوان العلم الأمريكي، بالإضافة إلى الفقرة الغنائية المختصرة التي قدمها الفنان فايز المالكي بمرافقة آلة العود والتي تفاعل معها الجمهور بشكل كبير.
أما الرسائل النقدية التي وجهها العمل فقد تعلقت بوزارة التعليم العالي وعشوائية توزيعها لبعض التخصصات، وللملحقيات والسفارات التي لا تهتم بمتابعة شؤون المبتعثين وتخليصهم من بعض مآزقهم القانونية، فضلا عن الشكوى من قلة المكافأة، وضعف تأهيل وثقافة بعض الملتحقين بالابتعاث، كما لم تستثن المسرحية انتقاد الصورة الذهنية المرتبطة غربيا بالعرب والمسلمين، والتي جعلتهم المتهمين المفترضين في مختلف الجرائم حتى لو لم يكن لهم علاقة بها.
جاءت نهاية العمل مغايرة لما تعارفت عليه المسرحيات الاجتماعية، فكان الانحياز لمنطقية النص والبعد الفني، ولم يكن المخرج مضطرا لقلب الطاولة الموضوعية بحثا عن نهاية مثالية مفاجئة كما يحدث عادة، وإن كان يحسب له القيام بتهيئة ذهنية لها قبل أن يقوم بإغلاق العمل بعكس المتوقع تماما، من خلال مشهد متزامن بين طلاب متخرجين بينما أبطال المسرحية الذين فشلوا في التخرج يمارسون الرقص على موسيقى صاخبة في اللحظة ذاتها، أحد الحضور علق مبديا ارتياحه بما آل إليه الأمر «لا أحب النهاية المتوقعة حتى لو كانت سعيدة»!