لم يكن أحد يتوقع أن الإسلاميين والعلمانيين سيأتي عليهم يوم تلتقي فيه أفكارهم ومصالحهم على حد سواء في صف واحد، أما المصالح فقضية تحدث كثيرا بين الخصوم بحكم اللعبة السياسية أو المصالح العامة.
وأما الأفكار فهي الأمر الذي كان أبعد من عنقاء مغرب كما يقال، فالإسلاميون في أدبياتهم يرون في الغالب أن العلمانية كلها كفر وخروج من الإسلام، والعلمانيون يرون الفكر الإسلامي السياسي والصحوي وتعميم التدين على الأفراد والمؤسسات خطر على المجتمع والدولة، وإغراق للواقع في براثن كهنوت جديد وثيوقراطية مستبدة.
ولكن الأحداث والتقلبات السياسية، والمراجعات الفكرية، والنوازل الاجتماعية، والانفتاح العالمي وكثير غير ذلك، أثبت أن الإسلاميين السياسيين بشكل أكبر اندفاعا، والعلمانيين بشكل أقل اندفاعا، التقوا أخيرا في جزء كبير من النقاط المشتركة.
والإسلام السياسي كما يسميه العلمانيون كان أكثر اندفاعا نحو المبادئ العلمانية، وأكثر تنازلا عن ثوابت كانت من ضمن الدعاوى للحرب على العلمانية، ونرى العلمانية لا تندفع بل تقدم رجلا وتؤخر الأخرى، ونرى العلمانيين أكثر ثباتا على آرائهم.
والتحليل السياسي لهذه الفكرة يحتاج إلى أن يقف لها كبار المنظرين والمفكرين والعلماء السياسيين ليأتوا على تفصيلات هذه التحولات، ولعلي أمر سريعا على بعض الخطوط العريضة لهذا الواقع الجديد.
من الأمور الواضحة أن الفكر الإسلامي السياسي والصحوي المعاصر وضع لنفسه في بداياته سقفا منخفضا جدا، وأهال عليه القداسة ودلل عليه بمفهومه من نصوص الشريعة.
وبالمقابل كان سقف العلمانيين في مفهومهم للدين عاليا جدا، حيث جعل الشقة واسعة بين الفريقين، وامتد الخلاف طويلا حتى جاءت ظروف تقاربت بسببها المسافة بينهما، والذي قرب المسافة هو رفع الإسلاميين للسقف الفكري لهم دون أن ينخفض سقف العلمانيين.
كثير من القضايا الحساسة المرفوضة عند الفكر الإسلامي السياسي والصحوي باتت مقبولة، كالديمقراطية وعدد من قضايا المرأة، ونبذ التكفير والعنف، والعودة إلى القبول بالتعددية، والقبول بحرية الاعتقاد، والتغاضي عن فكرة الخلافة والرضى بالدولة القطرية، والإعلان بالولاء السياسي على هذا الأساس، وكثير من القضايا الأخرى.
وأخيرا رأينا الإسلاميين في مصر والمغرب وتونس يتصدرون المشهد السياسي على صهوات الآلات العلمانية التي كانت مرفوضة وأهمها الديمقراطية، والقبول بالقوانين الوضعية مهما حاولوا إلباس هذه القوانين ثوبا إسلاميا تحت مسمى «الإسلام هو المصدر الأساسي للدستور» أو «دين الدولة الإسلام» أو أمثال ذلك.
من ناحية الديمقراطية والقبول بالتعددية لم يفهم الإسلاميون أو تغاضوا عن حقيقة الديمقراطية وأنها آلة العلمانية الأولى والأنجع في تطبيق الحرية والعدالة والقانون، ومهما زعم الفكر السياسي الإسلامي أن الديمقراطية تتفق مع الإسلام في جانب الآلية، وتختلف في جانب التشريع فقد وهموا كل الوهم، لأن الديمقراطية الإسلامية كما تسمى لا يمكن أن تطبق إلا في واقع التعددية الحزبية الإسلامية بحيث لا يكون في التنافس على إدارة الحكم إلا الإسلاميون فحسب، ولا يمكن أن تدخل معهم بهذا التقسيم بين الآلي الإداري والتشريعي أي أحزاب غير إسلامية.
أما وفي الساحة السياسية أحزاب علمانية ليبرالية واشتراكية وقومية ووطنية كما هو الواقع الآن، فليس أمام الإسلاميين سوى العلمانية التي هي ممثلة في الديمقراطية الحديثة، فيكون الفكر الإسلامي السياسي الآن أحد أحزاب العلمانية بامتياز.
وعندما تنادي التيارات الإسلامية بأطيافها وتنوعاتها بالديمقراطية والمجتمع المدني، والتعددية السياسية، وحرية الرأي وأمثال هذه العناوين، فهي تنادي بالعلمانية علمت بذلك أو جهلت.
هل نتوقع أن يكون الإسلام السياسي ذكيا ونفعيا إلى أن تسنح الفرصة بالالتفاف على الديمقراطية؟ أم نتوقع أن العلمانية أشد ذكاء حيث استطاعت أن تطبق ما دعت إليه من علمنة المجتمع والواقع والسياسة إلى درجة أن تجعل من الخصم وكيلا في تطبيق فكرتها.
وهل تنازل الإسلاميون عن عدد من اعتقادات سابقة حملوا من أجلها السلاح وباتوا يرفضونها الآن، كالذين حكموا بكفر البرلمان ومن دخله وشارك فيه، ونراهم الآن يملؤون كراسي المجالس النيابية في العالم العربي في المغرب وتونس والكويت ومصر واليمن وغيرها؟ لقد رأينا الذين قتلوا السادات، والذين لعنوا عبدالناصر، والذين اغتالوا عددا من الشخصيات في مصر، يطبقون نفس الأدوار ويعتلون ذات المناصب ويتخذون ذات المواقف.
فهل تأسلمت العلمانية أم تعلمنت الصحوة؟ من وجهة نظري، الثانية أقرب.
الالتقاء بين الإسلاميين والعلمانيين مرحلة بين الحذر والغموض
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
