مشاهد الفقر تترك غالبا أثرا حزينا في ذاكرة المرء.
لذلك فإن جميع الفلسفات والنظريات الفكرية تشير إلى الفقر على أنه من أكبر مشاكل العالم.
ما رأيته لا يمكن وصفه بأنه منزل لأنه يفتقر إلى المكونات الرئيسة التي تجعل منه منزلا.
الظلام الذي يلفه وضيق الأماكن فيه تجعل المرء يشعر بالكآبة.
سكان البيت –اصطلاحا- لم يشعروا بأي نوع من البهجة بخصوص مسكنهم، بل يشعرون بالقلق والألم بسبب اضطرارهم للعيش في مثل هذا المكان الخانق.
ليس هناك غرف منفصلة أو مطبخ أو مكان لراحة أو أي شيء من هذا القبيل، لكن سكان المكان يتخاصمون دائما حول المكان الذي سينام فيه كل منهم أو يجلس أو يأكل فيه.
جميع الظروف المناخية قاسية على سكان مثل هذا المكان، فحرارة الصيف تدخل إليه بسهولة وبرودة وثلوج وأمطار ورياح الشتاء لا تجد أمامها عائقا يمنعها من مهاجمة الأجساد الهزيلة بشكل مباشر.
أكثر الأوقات المحرجة تأتي عندما يحضر ضيف لزيارتهم لأنهم لا يملكون أي شيء يقدمونه.
الأطفال هم الأكثر إثارة للشفقة في مشاهد الفقر لأنهم أكثر المتأثرين به.
عيونهم يبدو فيها الجوع دائما لأنهم لا يحصلون على ما يكفي من الطعام مطلقا.
تجدهم محرومين من الشعور باللامبالاة والطيش الذي يصاحب الأطفال عادة، وتبدو على وجوههم ملامح الجدية والحزن في معظم الأحيان.
رؤية أي طفل حالته المادية جيدة تخدش مشاعرهم لأن أطفال الأغنياء غالبا يتفاخرون بملابسهم الجديدة والأشياء اللذيذة التي يأكلونها، أو أنهم يعاملونهم بشكل سيئ.
جريمتهم الكبرى هي فقرهم وهم غالبا يبدون خجولين من أوضاعهم ولا يتمتعون بالثقة التي يفترض أن يشعر بها الأطفال العاديون.
ويختلف تعريف الفقر من مكان لآخر.
في بعض البلدان يكون المرء فقيرا إذا لم يكن لديه ما يكفي من الطعام، وفي بلدان أخرى يعرف الفقير على أنه الشخص الذي يفتقر إلى أي شيء من الأشياء الأساسية مثل الطعام والمأوى والملابس والرعاية الصحية.
ويمكن أن يكون الفقر حافزا إيجابيا أو سلبيا.
الشخص الفقير قد يكون لديه حافز للعمل ليلا نهارا للتخلص من ظروفه الصعبة وبهذا يستغل كل مواهبه وقدراته الخفية.
وبعكس ذلك، قد يتعامل البعض مع الفقر بشكل سلبي ويدخلون عالم الجريمة من أجل التخلص من فقرهم.
وكما أن غالبية الناس لا يمتلكون موهبة التفكير بأهداف نبيلة، فإن غالبية الفقراء يتصالحون مع ظروفهم الصعبة أو يلجؤون إلى أساليب سلبية.
لهذا السبب فإن الفقر يعدّ أحد الأسباب الرئيسة للجريمة في جميع أنحاء العالم.
بعض الناس يفقدون جميع آمالهم بسبب الفقر ويبدو عليهم الحزن والكآبة معظم الوقت.
لكن المشكلة أن الحزن والكآبة لا تعالج مشكلة الفقر.
كل ما في الأمر أن المرء يفقد روحه المعنوية ويؤثر سلبا على الأشخاص المحيطين به.
أعرف ثلاثة أشقاء كان يبدو عليهم المرح والنشاط دائما عندما كانت ظروفهم جيدة.
لكنهم خسروا تجارتهم بعد سنوات واضطروا للعمل بائعين في بعض المحلات.
رأيت أحد هؤلاء الإخوة أثناء عمله في محل لبيع الأحذية.
سررت عندما لاحظت أن نقص المال وصعوبة الحياة لم يتركا أثرا على وجهه، فهو لا يزال شخصا مبتسما يبعث البهجة والسرور فيمن حوله.
عندما يبتسم المرء ينسى الظروف الصعبة التي تحيط به وتبعث السعادة في نفسك وفي نفوس من حولك.
إذا كنت تمتلك هذه القدرة فإنك تملك أغلى كنوز الأرض على الإطلاق.
لكن الفقر يمكن أن يكون رفيقا قاسيا ومتوحشا أيضا.
هناك كثير من الناس الذين عاشوا أياما صعبة بسبب الفقر لدرجة تجعلهم يخافون من تلك الأيام حتى بعد أن يتجاوزوا مرحلة الفقر.
لذلك يصبح بعض الناس أكثر جشعا ويستمرون في تكديس الأموال والثروات حتى لا يعودوا إلى ظروف الفقر مرة أخرى.
هذا الجشع أو الحرص أو الحذر –سمه ما شئت- يصبح عادة دائمة وجزءا أساسيا من شخصية البعض.
هذا يمكن القول أنه أسوأ بصمة يمكن أن يتركها الفقر في حياة أي شخص.
البعض يحقدون على العالم أثناء مرحلة الفقر لدرجة تجعلهم لا يسامحون الآخرين طوال حياتهم.
لذلك عندما يصلون إلى أي موقع مسؤولية فإنهم يغتنمون أي فرصة لإيذاء الآخرين أو خلق مشاكل لهم.
هناك حكمة معروفة في لغة الأوردو تقول ما معناه إن الأيام المظلمة والمشرقة لا تدوم إلى الأبد، بل هي تتبادل الأماكن فيما بينها بشكل دائم.
الأوقات الصعبة لا تدوم إلى الأبد
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
