أظهرت النشرة الإحصائية الصادرة عن ساما للربع الثاني من عام 2014 وجود تصاعد في أحجام القروض الاستهلاكية، حيث وصلت إلى 333 مليار ريال (أي نحو 67.7% عن ما كانت عليه بنهاية 2010).
هذا الصعود غير مفاجئ إذا ما تم ربطه بالاستقرار الذي يتمتع به الاقتصاد السعودي والذي يبرهنه النمو السنوي للناتج القومي المحلي البالغ 4.7 بنهاية عام 2013 متفوقا على نظيره العالمي البالغ 3.3 بنفس العام.
لكن المدهش أن تشكل تلك القروض ما يقارب 25% من إجمالي الناتج القومي المحلي للقطاع غير النفطي – وهو أحد الأرقام الاقتصادية الهامة للقياس والمقارنة.
بمعنى آخر: يستخدم ما يعادل ربع الناتج القومي غير النفطي في أغراض استهلاكيةلا تعود بفوائد مستقبلية ولا تضيف أي نمو للفرد ولا للاقتصاد الوطني، فما الآثار المترتبة على تلك القرارات؟تجلب القروض على حامليها التزامات مالية مستقبلية – في شكل تدفقات نقدية خارجة – تعمل على تخفيض قدراتهم المالية وتقليل إمكاناتهم المستقبلية للمشاركة بالفرص التي ترتقي بحياتهم للأفضل أو تخفف من أعبائهم.
لذلك، ينصح المختصون التمويليون بضرورة توجيه تلك الأموال نحو أوعية استثمارية توفر تدفقات نقدية داخلة مستقبلية يمكنها أن تقابل تلك الالتزامات وبحيث لا تقل عوائدها السنوية عن فائدة السندات الحكومية على أقل تقدير.
لكن ماذا يحدث باقتصادنا؟ تخبر الأرقام بأن ربع الناتج القومي غير النفطي يتجه نحو الاستهلاك، وقد يشير ذلك إلى أن الأولويات في استغلال المصادر التمويلية لدى المواطنين هي استهلاكية وليست ادخارية ولا استثمارية.
من المعلوم أن فئة كبيرة من أولئك المقترضين هم من الأفراد الذين لا يملكون مصادر دخل سوى مرتباتهم الشهرية، وقد ذكر الدكتور سامي النويصير بمقاله في صحيفة الاقتصادية أن 90% من موظفي المملكة يحملون قروضا استهلاكية.
فبالإضافة إلى الأعباء المالية المستقبلية التي ستترتب على قراراتهم التمويلية، من المتوقع أن يستمر ارتفاع الطلب على السلع والخدمات نتيجة السيولة النقدية العالية التي تضخها البنوك في شكل قروض ميسرة بالإضافة إلى بعض العوامل الأخرى، ما يدفع بالأسعار للتصاعد ويفاقم المشكلات على حاملي القروض بالمدى المتوسط والبعيد.
أما بالنسبة للآثار على مستوى الاقتصاد الكلي، فكون الأولويات من استغلال المصادر التمويلية لا تزال استهلاكية، فقد لا نشهد زيادة أو تنويعا بالمشاريع الوطنية التي قد تسهم في رفع جانب العرض ومواجهة التضخم على الصعيد الداخلي.
أيضا سيستمر الاعتماد على الواردات من السلع الأجنبية المتأثرة بتقلبات الأسعار بالأسواق العالمية، فضلا عن استمرار ترحيل الثروة من خلالها إلى خارج البلاد وتعطيل فرص توطينها في مشاريع تعمل على تدويرها محليا في صورة فرص وظيفية واستثمارية وتنموية متعددة.
قبل الختام، ينبغي على الأفراد الذين لا تتوافر لديهم مصادر دخل عالية إعادة النظر في أولوياتهم وقراراتهم التمويلية ورفع الوعي الاستثماري والتخطيط للمدى البعيد، فالقروض ستضيف أعباء مستقبلية لن ترحمها تقلبات الأسعار للمسكن والغذاء.
ورسالتي لمؤسسة النقد، إن سياسات ضبط فوائد القروض تعتبر سلاحا ذا حدين.
فتيسير الإقراض لأغراض الاستهلاك سيصحبه تقلبات في أسعار السلع والخدمات خاصة أن الأولويات استهلاكية وليست استثمارية أو تنموية.
القروض الاستهلاكية.. أعباء مستقبلية
حنان المرحبي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
