يصعب على الباحث دراسة سيكولوجية أوباما، خصوصًا مع تنوع الظروف المؤثرة في شخصيته بدءًا من لونه، وتفرعه من أب كيني، وأم أمريكية إنجليزية، ووصولًا إلى طلاق والديه، ورحيله للسكنى مع زوج أمه الإندونيسي، ثم ترحيله للعيش مع جدته لأمه في أمريكا، بطفولة يطويها فقد الثقة بالآخرين، والتشتت، والخوف، والحاجة، والرضا بالقليل، والأحلام العظيمة.
وفي مراهقته وشبابه أحيط بالإرهاصات والضغوط والتحديات، فدخل عالم المخدرات، ثم تجاوزه بتصميم على تحدي الذات لتخطى الجامعة، وإكمال طريقه المنهك صعودًا، متجاوزًا الحواجز، حتى بلغ مجلس الشيوخ، ومن ثم ترأس أعظم دولة عالمية لفترتين.
ولشدة حرصه فقد نبذ العنف، والغرور، وتأنى، وماطل، ودفع بالحسنى، وتشبث بما يملك.
وكانت عملية انتخابه -الحدث- مدعومة بعوامل جنون الشعب الأمريكي، وأولويتهم بكسر الأنماط والحواجز، وتحدي العنصرية، والإتيان بما لم تأته الأمم من قبلهم.
وقد ساعدهم هو بمعطياته وعصاميته، وذكائه ولماحيته، وتخصصه في الحقوق، والقدرة على الحديث المسترسل الساحر، والمقنع، وإجادته للتقنية الحديثة، والبرمجة اللغوية، واستبصار المستقبل، وتضخيم أخطاء سلفه، وتمثل أمنيات الشعب الأمريكي -الشباب منهم بالذات- بالتركيز على كيفية إصلاح أحوالهم الاقتصادية، وقد نجح في ذلك إلى حد كبير.
تلك الخطوط العريضة، التي حددت مسار معالجته للأمور برداء الحذر، والمماطلة، وتلافي كل مُكلف مُنهك، واختيار الطريق الأسهل.
وهذا ما هز صورة الدولة الأعظم، بعدم تبنيها للمبادرات الجريئة حيال القضايا الدولية الحساسة، ومما أوحى للبعض بأنها تنسحب من قمرة قيادة السياسة الدولية، تاركة الكرسي لغيرها.
وقد حاول بذكريات إنسانيته المشتتة في طفولته، ومعرفته المثلى بمعاني الظلم والخوف، إصلاح حال معتقلات بلاده الخارجية، ولكنه تردد وخشي النتيجة العكسية.
وقد سارع بسحب القوات الأمريكية من العراق، وسبب فراغًا أمنيًا بالعراق أنتج فوضى سمحت بتعاظم التنظيمات الإرهابية وديمومتها.
وقد عاوده التردد والتأخر عن اتخاذ القرارات الحاسمة حينما تدخل حلف (النيتو)، في ليبيا، فترك قمرة القيادة لغيره.
كما أنه ماطل وتأخر في تسليح المعارضة السورية، حتى تضاعفت الكوارث، وتشعبت الفرق، وعمت الفوضى.
وقد تأخر كثيرًا باتخاذ قرار اغتيال أسامة بن لادن، فجاء مقتله باردًا، منعدم القيمة.
وقد أظهر صورة الضعف الشديد، في التعامل مع قضية مفاعل إيران، وتدخلاتها في الشرق الأوسط، كما أنه تصالح مع نفسه حيال قضية كوريا الشمالية.
وحتى قرار إنهاء (داعش) الحالي لم يتمه بصيغة قائد للدولة العظمى القوية الواثقة، بانعدام للثقة في ولاء الآخرين، حينما أحاله إلى ما يشبه الجمعيات الخيرية، لجمع التبرعات، وتكوين الهيئات، والسعي لمحاربة داعش، بأيدي الأصدقاء، والمتضررين، و(كذابين الزفة).
أنا هنا لا ألومه في ذلك، فقد تردد كثيرًا في معظم خطواته، وشبع خوفًا، وثابر على هم جمع الغلة، لسنوات عجاف.
ولكني فقط أحاول استقراء سيكولوجيته، والتي جعلت أمريكا تخسر الكثير، وإن كسبت بعض التوازن الاقتصادي الوقتي.