المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني بفروعها المتعددة للبنين والبنات في أنحاء الوطن تعد صرحا حيويا يفترض أن ينافس التعليم العالي، لأنهما يشتركان في التعليم فوق الثانوي.
وهذا الصرح العملاق بامتداداته الكثيرة يجب ألا يتوقف على تخريج المتدربين وتهيئتهم لسوق العمل، وألا تتوقف جهوده على معهد ريادة الأعمال الوطني، فما تزال الطموحات من هذا الصرح أعلى، في زمن لا يعترف بالهوادة والدعة والثبات على استراتيجيات بالية.
وعلى ذكر الاستراتيجيات، توجهت إلى موقع المؤسسة الالكتروني باحثا عن استراتيجياتها وسياساتها العليا، لكنني أُبتُ خالي الوفاض من نور هادٍ إلى شيء كهذا، ثم تصفحت الموقع باحثا عن المشاريع الصناعية التي تتبناها المؤسسة، ليلتحق بها أبناؤنا الخريجون من كلياتها ومعاهدها، لتكون خيارا إضافيا على خيارات العمل الحر والعمل لدى القطاع الحكومي والخاص، وأيضا لم أجد ما بحثت عنه، وكأن همنا أن يتخرج أبناؤنا في مهن بسيطة وعادية كالميكانيكا والكهرباء والنجارة والالكترونيات وتقنيات الحاسب، فكل هذه التخصصات وغيرها لا أراها تتجاوز الصيانة لما أبدعه الآخرون، ونحن نصرف المليارات لندرب أبناءنا على صيانتها وتبديل أجزائها التالفة.
أتساءل بحرقة، وهذا الجهد البشري المهدر كل عام يجلس روتينيا للتدريب، دون أن ندخله في لجج المغامرة، وأن نقحمه في معارك تحدي الذات، وتحدي الأصوات المقللة من قدرات شبابنا على الإبداع والابتكار والتميز، فما المانع أن تنشئ المؤسسة مصانع تديرها بنفسها ويعمل فيها المتدربون فعليا تحت إشراف أساتذتهم، وتتولى المؤسسة تسويق منتجات مصانعها؟ ألا تستطيع المؤسسة بالتنسيق مع وزارة الصناعة وغيرها من الجهات المعنية بناء مصانع للأثاث؟ ومصانع للالكترونيات، ومصانع للبلاستيك، وألعاب الأطفال، وكل المنتجات الاستهلاكية التي نستوردها من الخارج؟يفاجئنا أبناؤنا اليوم في برنامج موهبة بابتكاراتهم وما يحققونه من مراكز عالمية متقدمة تؤكد قدراتهم التي يجب استثمارها، ولو عملت المؤسسة على تهيئة القاعدة الصناعية للوطن، لاجتذبت هذه العقول القديرة، ولاكتشفت في متدربيها قدرات مذهلة، ربما تذبل بعد تخرجهم والتحاقهم بسوق العمل في القطاع الخاص الذي ينفّر معظم الخريجين منه، أو يقتلهم روتين العمل الحكومي برتابته وبيروقراطيته، لكن بقاءهم في منشآت صناعية حقيقية، تديرها المؤسسة بخبراتها العملاقة سوف يفتح الباب أمام هذه القدرات للابتكار والإبداع حسب تخصصاتهم ومنشآتهم.
ليؤمن القائمون على التدريب المهني والتقني أننا كمواطنين نحلم بيوم نشتري فيه جهاز تلفزيون أو هاتفا، أو دراجة نارية أو هوائية، أو لعبة طفل، أو مكتبة أنيقة، أو إكسسوارات منزلية، أو أدوات مكتبية، أو مخترعات ذكية وتحفا، كتب عليها “صنع بأيدٍ سعودية”، وليس “صنع في السعودية”، فما أكثر المصانع التي على أرضنا والتي لا يلج أبناؤنا أبوابها، وإن ولجوها مكرهين على بخس رواتبها، ضايقهم فيها الآخر حتى “يطفشوا”.
لم تصل طموحاتنا بعد إلى اقتناء سيارة وطنية، أو ما في حكمها، فتحقيق أحلامنا الصغيرة هو الأرضية الصلبة التي نبني عليها أحلامنا الكبرى في تحقيق شخصيتنا العالمية، ولنستشعر أننا في رخاء نستطيع معه استيراد احتياجاتنا، ولا ندري إلى متى تدوم الاستطاعة، فإن توفر المال فقد لا تتوفر الظروف السياسية المناسبة، والعقوبات الاقتصادية صارت سلاحا في يد القوى المكتفية، تجلد بها الكسالى الذين لا ينصاعون لمطالبها، ولا تدري نفسٌ بأي ذنبٍ تُعاقب في عالم متشابك موار.
أعلم يقينا أن الأمر ليس بسهولة كتابة مقال، لكنني مؤمن أن في وطننا رجالا تفل إرادتهم صخر المستحيل، كإرادة المؤسس عبدالعزيز حين قال “إن بعض المسلمين مع الأسـف لم يجدوا طريقة للتقدم في نظرهم إلا تقليد الأوروبيين، ولكنهم لم يقلدوهم فيما كان سبب قوتهم ومنعتهم، ومضت عشرات السنين على الذين يدعون لتقليد الأوروبيين، ولكن من منهم عمل إلى اليوم إبرة أو صنع طائرة أو اخترع بندقية أو مدفعا؟”