تحولت سياسة دعم المشتقات النفطية إلى عبء إضافي على كاهل الاقتصادات العالمية ولم تعد بحسب الخبير الاقتصادي لدى المنظمات الدولية نجيب شحرة الأداة المناسبة للدعم والتشجيع أو الحماية بل تحولت إلى عبء يكبد موازنات الدول التزامات مالية عالية ترتفع من سنة لأخرى وتساهم بشكل كبير في تسارع التدهور الاقتصادي الذي قد يصل إلى حالة الانهيار في حالة غياب التدخل واتخاذ قرارات إصلاحية مناسبة.
إقليميا، لجأت بعض الدول العربية وفي مقدمتها الأردن ومصر ثم اليمن مؤخرا إلى رفع الدعم عن هذه السلعة الحيوية بعد تفاقم حجم ديونها العامة ففي الوقت الذي يؤكد فيه شحرة على أن هذه الخطوة ارتكزت على سياسة إعادة توجيه الدعم لمستحقيه يرى آخرون أن تحرير الأسعار سيزيد من معاناة الغالبية العامة خصوصا الفقراء.


اختلالات اقتصادية ومالية

أكد الخبير الاقتصادي لدى المنظمات الدولية نجيب شحرة أن سياسة دعم المشتقّات النفطية لم تعد الأداة المناسبة للدعم والتشجيع أو الحماية بل تحوّلت إلى عبء على كاهل الاقتصاد اليمني وتكلف الموازنة العامة التزامات مالية عالية ترتفع من سنة إلى أخرى وتساهم بشكل كبير في تسارع التدهور الاقتصادي الذي قد يصل إلى حالة الانهيار في حالة غياب التدخل واتخاذ قرارات إصلاحية.
ووفقا لما ذكره شحرة لموقع اسوس انفو فإن التكاليف المالية المباشرة التي تتحملها الموازنة العامة بلغت 1.4 تريليون ريال يمني “ 6.5 مليارات دولار” خلال الفترة ما بين 2010 و2012 نتيجة ارتِفاع حجم الدعم إلى إجمالي الناتج المحلي إذ ارتفع من 9 % في 2010 إلى 10 % في 2012 حتى أصبحت إيرادات النفط لا تغطّي الواردات من مشتقّاته.
وحسب تقرير البنك المركزي للربع الأول من العام الحالي، بلغت عائدات الصادرات النفطية 404 ملايين دولار مقابل 745 مليون دولار قيمة واردات المشتقات وهذا يعكس مدى الاختلالات الاقتصادية والمالية التي أصبح عليها حال البلاد.


دعم مباشر للفقراء

هناك من يرى أن تحرير أسعار الوقود سيزيد من معاناة غالبية اليمنيين خاصة الفقراء الذين وصلت نسبتهم إلى نحو 50 % من إجمالي السكان فيما لم تتبن الحكومة سياسة بدائل فعالة للتخفيف من الفقر والبطالة المقدرة بـ40 % باستثناء إضافة 250 ألف حالة جديدة من المستفيدين من الضمان الاجتماعي.
غير أن الخبير شحرة يرى أن المبدأ الذي ارتكزت عليه سياسة دعم الوقود هو الاستهداف المباشر لشريحة الفقراء والحقيقة أن هذه السياسة تستفيد منها كل الفئات بل تتكاثر الاستفادة حسب حجم الكمية المستهلَكة والفئات الأكثر دخلا هي الأكثر استهلاكا فكلما ارتفع الدخل بمقدار 1 % كلما زاد حجم استهلاك مشتقّات الوقود بمقدار 1.
95 % وفي ظلّ النسبة المرتفعة لمستوى الفقر في اليمن فإن نصيب الفئات الفقيرة من استهلاك الوقود المدعوم في حدوده الدّنيا أصبحت مكلفة اجتماعيا لأنها لا تحقق مبدأ العدالة في توزيع المنافع بل تحوّلت إلى أداة تعمل على تكريس عدم المساواة.


إجراءات عالمية وراء الرفع

يندرج قرار رفع الدعم عن الوقود ضِمن الإجراءات والتّدابير التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية على السياسة المالية لليمن منذ خضوعِها لبرنامج الإصلاحات المالية والاقتصادية مُنتصف تسعينات القرن الماضي وهي مجموعة من التدابير والإجراءات المتكامِلة التي تستهدِف تحفيز الاقتصاد على النمُو من خلال تقليص تدخّل الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتعبئة مواردها الجبائية والضريبية.
وترتب على التداخل بين طبقات رأس المال أن الفئات الغنية هي التي استفادت من الإصلاحات الاقتصادية وتحرير الأسعار على مستوى الخصخصة والإصلاح الضريبي.


الأردن الأول عربيا في تحرير أسعاره

البداية، كانت أردنية بامتياز وجاءت في نوفمبر 2012 لمواجهة تحديات اقتصادية جمة تواجه الأردن تتمثل بمديونية تجاوزت 28 مليار دولار وعجز في الميزانية العامة آخذ في الاتساع.
وأثار القرار الذي كان لا بد من اتخاذه ضمن برنامج اقتصادي ضروري للحصول على قرض بملياري دولار من صندوق النقد الدولي بعض الاضطرابات المحدودة تم احتواؤها بسرعة.
ولتلافي التبعات السلبية لهذا القرار على ذوي الدخل المحدود والفقراء قامت الحكومة الأردنية بإعادة توجيه قيمة الدعم وصرفها على 4 دفعات منتظمة على مدار العام.


القاهرة تقتدي بعمان وترفع الدعم

على غرار الخطى الأردنية، رفعت الحكومة المصرية في يوليو 2014 الدعم عن الوقود بنسبة تجاوزت الـ75 % كإجراء إصلاحي عاجل لإنقاذ الاقتصاد المصري بعد اتساع عجز الميزانية أكثر من الثلث وبلغ حتى في أول سبعة أشهر من سنتها المالية التي تبدأ في يوليو حتى نهاية يناير الماضي 119.8 مليار جنيه مصري “17.8 مليار دولار” مقارنة بـ 88.2 مليار جنيه قبل عام.
واستبقت مصر القرار بخفض مخصصات فاتورة دعم الطاقة 40 مليار جنيه لتصل إلى نحو 127 مليار جنيه في ميزانيتها للسنة المالية 2014-2015.
وتهدف الإجراءات الجديدة إلى خفض العجز الهائل في الميزانية وإنعاش الاقتصاد الذي يعاني منذ سنوات بسبب الاضطرابات التي تعصف بالبلاد منذ يناير 2011.


اليمن ثالثا

زاد قرار الحكومة بتحرير أسعار الوقود وإلغاء دعمها الصادر مطلع أغسطس الماضي من إرباك المشهد السياسي غير المستقر أصلا وجاء في الوقت الذي تترقب فيه الأنظار استعادة البلاد لاستقرارها خاصة بعد اختتام الحوار الوطني الذي انتهى بوضع خارطة طريق لإنهاء الأزمة السياسية التي دخلت صنعاء فيها قبل ثلاث سنوات.
ومنذ إعلان الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي اختتام الحوار الوطني الشامل يناير 2014، تبذل جهود ملحوظة من أجل تنفيذ مخرجاته التي تواجه مخاضا عسيرا بسبب تمسك قوى سياسية تقليدية بمواقعها ومصالحها وعدم رغبتها بإفساح المجال لقوى جديدة صاعدة تطمح لشراكة فاعلة في العملية السياسية وهي القوى التي أتت من بوابة المشاركة في الحوار وخرجت منه على آمال ووعود بشراكة في السلطة والحكومة الموصي بتشكيلها إلا أن تلك الوعود والتطلعات قوبلت بممانعة ومراوغة من قبل بعض القوى.
تلك الصراعات زادت من حدة الاختلالات الاقتصادية والمالية التي تعاني منها الموازنة العامة أصلا الأمر الذي دفع الحكومة إلى رفع الدعم عن الوقود.


الخصخصة لم تحقق مبتغاها

أما على مستوى الخصخصة، كإجراء يرمي إلى تخفيف الأعباء على الموازنة وتقليص النفقات، يُلاحظ أن البلدان التي قامت بخصخصة مُنشآتها المتعثِّرة بدأت أوّلا بتأهيلها ورفع أصولها ثم طرحها للمزاد التنافُسي لاحقا لتحقيق أعلى عائد بيع مع ضمان حقوق العمالة لكن الذي حصل في اليمن كان مُغايرا لذلك فقد دمرت المنشآت المتعثِّرة من أجل بيعها بأثمان زهيدة لصالح لوبي المال والأعمال ومراكز النفوذ، كما لم يراع فيها حقوق العمالة وشابها الفساد وعدم الشفافية ونتجت عن ذلك مشاكل مربكة.
فإلى جانب أنها لم تحقّق عوائد مالية مهمّة للخزينة، أدّى بيع 57 مصنعا ومنشأة في جنوب البلاد إلى تشريد عشرات الآلاف من العمال، وتحوّلت فيما بعد تلك العمالة المُسرّحة من أعمالها إلى قوة أخرى مغذية لمشكلة سياسية عبَّرت عن نفسها بالحراك الجنوبي منذ 2007.


المحاصصة ضاعفت الضغوط

زاد “التوافق السياسي” الذي ضم النظام السابق ومعارضيه الذين تشكلت منهم حكومة “التوافق” من حدة المشكلات المزمنة في المالية العامة بسبب نهجها للسياسات نفسها، التي طبّقها النظام السابق من ناحية، وبسبب تركيز كل طرف سياسي على مكاسِبه السياسية وتجاهُـله للكلفة المالية الاقتصادية والاجتماعية المترتِّبة على ذلك، إذ إن التسوية السياسية التوافُقية وما ترتَّب من تقاسُم ومحاصصة، زادت من الضغوط على مالية الدولة، نتيجة الأعداد الكبيرة للموظفين الجُدد المُنخرطين في الوظيفة العامة بدوافع سياسية، والتي بدأت بإدماج 60 ألف موظّف جديد في الخِدمة اليمنية بقرار من الرئيس السابق، استهدف به امتصاص الغضب الشعبي قبل إزاحته من على رأس السلطة.
وبعد نقل السلطة، أضاف الشركاء الجُدد في الائتلاف الحاكم آلاف الموظفين في القطاع المدني وقُرابة 200 ألف إلى مؤسستي الجيش والأمن.
وفي سياق هذا التنافس السياسي الواضح على الموارد العمومية والسلطة لا تبدو مطالبات الحوثيين بإسقاط الجرعة السعرية لكثير من المراقبين سوى حالة من حالات التنافُس السياسي ظاهرها الانتصار للمَطالب الشعبية وباطنها الشراكة في السلطة وتقاسمها.


40 % من الدعم يذهب للأثرياء

تُشير دراسة أنجزها صندوق النقد الدولي أن نحو 40 % من إجمالي الدعم تذهب إلى 20 % من الأسر الأكثر ثراء وتستفيد هذه الأسـر من الدعم بطريقة مباشرة من خلال الاستهلاك المباشر لتلك المشتقات أو بشكل غير مباشر من خلال السلع والخدمات التي تقوم بإنتاجها.
تطبيق جزئي للنظام الضريبييعد إصلاح النظام الضريبي من الإجراءات الملازمة لبرنامج التقويم الهيكلي الذي بدأ في اليمن بصدور قانون ضريبة المبيعات والضريبة على القيمة المُضافة في 2001 إلا أنه لم يطبق إلا جزئياً عام 2005 نتيجةً لنفوذ لوبي رجال المال والاقتصاد في مختلف دوائر السلطة ثم لم يطبَّق الجزء الثاني منه إلا عام 2010 بعد إفراغه من أهدافه المرجوة واستثنائه لقائمة واسِعة من السِّلع والخدمات.