قبل يوم واحد من اجتماع هيئة كبار العلماء للنظر في حكم فرض رسوم على الأراضي البيضاء الواقعة داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات، وفقا للنظام الذي أعد من قبل مسؤولين وعلماء ومشايخ وقانونيين وشـركات اسـتشارية عالمية، لا تزال أحلام السعوديين على اختلاف شرائحهم والبسطاء منهم خاصة في امتلاك سكن ملائم معقودة على هذا الاجتماع، وتنطلق من قاعدة فقهية «المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة أو الفردية».
ولماذا يُعد قرار فرض رسوم على الأراضي السكنية الواقعة داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات تغليبا للمصلحة العامة؟ لأن المصلحة العامة هنا لفظ عام يتمثل في مصلحة البلاد والعباد، وتقتضي محاربة الاحتكار بكافة أشكاله، واحتكار قلة من العقاريين (يمكن عدهم على أصابع اليد الواحدة) مساحات كبيرة من الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني تصل إلى 46 % من مساحات المدن الرئيسة أحد أنواع الاحتكار الممنوع شرعا، وأدى إلى شح الأراضي، وارتفاع أسعارها بشكل جنوني، وتقتضي المصلحة العامة ضريبة أو رسوما على هذه الأراضي بهدف فك الاحتكار، وزيادة المعروض منها لمواجهة الطلب المتزايد، وبالتالي انخفاض الأسعار.
والسؤال المهم في هذا السياق: هل يترجم اجتماع هيئة كبار العلماء غدا الأحد تغليب المصلحة العامة على نقيضتها الفردية، ويقر فرض رسوم على الأراضي البيضاء بعد أن استعصت أزمة توفير الأراضي السكنية على الحلول التقليدية التي نافحت من أجلها وزارة الإسكان، وبذلك أصبح تغليب المصلحة العامة، وإقرار هذه الرسوم فرض عين لمصلحة نحو 80 % من المواطنين الذين لا يملكون سكنا، بعد أن أصبح سعر الأرض يمثل نحو 60 % من قيمة المسكن مقارنة بنحو 20 % - 25 % عالميا؟وتكمن أهمية قرار هيئة كبار العلماء المنتظر في أنه سيحسم الجدل الفقهي والشرعي حول مشروعية فرض مثل هذه الرسوم، بعد أن تمسكت وزارة الشؤون البلدية بعدم جواز فرض رسوم على الأراضي البيضاء، استنادا على رأي سابق لمجلس هيئة كبار العلماء نص على عدم جواز فرض رسوم على الأراضي المخدومة بنسبة معينة من قيمتها، ويُكتفى بالزكاة التي يخرجها التاجر سنويا والمحددة شرعا بـ 2.5 %.وأرجعت الوزارة ارتفاع أسعار الأراضي إلى عوامل عدة، وأن فرض رسوم على تلك الأراضي ليس الآلية الوحيدة الكفيلة بمعالجة أو التقليل من تأثير تلك العوامل، في حين أن مساحة الأراضي التي يمكن أن تصنف على أنها تجارية وتجب فيها الزكاة لم تحدد بل ترك تقديرها للشخص وضميره، كما أن إخراج الزكاة من عدمه لا يمكن التأكد منه، في ظل تحجج كثير من التجار بإخرج الزكاة ودفعها لمستحقيها من الأقارب والمعارف والأصدقاء.
كما أن تأييد هيئة كبار العلماء فرض الرسوم سيعيد اتجاه بوصلة توقعات السعوديين إلى التفاؤل بعد موجة من التشاؤم سادت منذ بدء الحديث عن فرض هذه الرسوم، وصفت هذا التوجه بالأمر بعيد المنال لأسباب تقف خلفها مصالح لأشخاص متنفذين، وأن الاعتراض الشرعي تسنده مصالح أفراد وفئات ترى في القرار وقوفا ضد مصالحها في حال تطبيقه.
وعلى افتراض أنه تم تأييد قرار فرض الرسوم على الأراضي التي تبدأ مساحاتها من عشرة آلاف متر مربع، وأن سعر متر الأرض سيحدد مقدار هذا الرسوم التي ستبدأ من عشرة ريالات إلى 150 ريالا اعتمادا على مؤشرات وزارة العدل، فإن هذا القرار سيمثل الجزء الأول من المصلحة العامة، ويتبقى الشق الثاني من المصلحة العامة لهذا القرار بعد صدور النظام بصورته النهائية، وآليات تطبيقه، ويتمثل في تنفيذه وتطبيقه على أرض الواقع كي تكتمل المصلحة العامة،لذلك علينا أن نكون واقعيين ولا نفرط كثيرا في التفاؤل من جدوى هذا القرار حتى يتم تطبيقه على أرض الواقع، ونتجاوز سلبيات التطبيق، فكثير من القرارات التي صدرت وصاحبتها موجة من التفاؤل المفرط قتلها التطبيق الجزئي والاستثناءات التي رافقتها، مما قلل من جدوى هذه القرارات، وبعض هذه القرارات اختطفت قبل التطبيق وبقيت حبيسة الأدراج.
إذن ليس المهم هنا هو إصدار قرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء، بل القدرة على وضعه موضع التنفيذ وتطبيقه على الجميع دون استثناء حتى يحق لنا الاحتفال بهذا القرار، ونصنفه كقرار غير تقليدي.