ليس بمقدورك تحديد موعد بداية الحياة لنفسك، وليس بمقدورك تحديد نسبك ولا والديك ولا بلدك، فهي خطى تكتب لك بدون أن يكون لك دور أو مشورة في اختيارها وتحديدها.
ربما كانت بداية حياتك في قصر فاخر، أو منزل متواضع، وربما كانت بدايتك تحت وابل الرصاص وهدير المدافع، وربما كنت بدأت حياتك وأنت تحمل إعاقة دائمة أو مرضا عضالا، وربما كانت بداية حياتك هي السبب في نهاية حياة المرأة التي قدّر لها أن تكون سبباً لوجودك فماتت أمك أثناء الولادة بك.
كل ما تملكه أنت في هذا العالم هو أن تجيد وتحسن السير في عالم مليء بالأشواك والأوحال، فربما تنجو وربما تهلك، وربما تختار نهاية حياتك بيدك أنت، وربما تصنع سعادتك بيدك.
في عالم عجيب يتقاذف بك بدون أن تشعر، يهوي بك تارة إلى درك الشقاء، فتشاهد المعذبين والمحرومين، وتحس بمعنى الظلم والمرارة، في تلك اللحظات تتمنى نهاية الكون لكي يهدئ جسدك وعقلك، وفي خضم ومعترك تلك المأساة ما هي إلا لحظات حتى يرتفع بك شيء غريب إلى عالم السعادة، فتخلد للدنيا وتكره الموت.
ربما بكيت بالأمس ولكنك ضحكت اليوم، وربما كان العكس، ربما من شدة اليأس تنسى أيام السعادة فتزعم أنك لم تر خيراً قط، سيهرب النوم من عينيك، وسيضطرب الفؤاد لديك.
وربما من شدة الحماس أحياناً تتمنى البقاء والحياة، وتنسى لحظات الألم والشقاء، أو تزعم أنك ستتغلب عليها ولن تسمح لها بقهرك.
عندما تفكر بعمق تصاب بضغط الدم وتخشى تفجر الشرايين في الدماغ، وعندما تصمت تصاب بإحباط واكتئاب، وعندما تتحدث فهناك خيارات ونتائج أمامك، فإما أن تذهب روحك ورقبتك لأنك تحدثت، وإما أن تعرض بضاعة عقلك على من لا يريدها فتحس بالهوان والذلة، وعندما تختلط بالناس تكتشف كم هو مزعج أن تختلط بأبناء هذا الكون الفسيح.
لا يملك المرء أحياناً إلا الهرب من الناس، وهذا الهروب المتعمد له أساليب وطرق، ولكن هل يجدي الهروب؟، ويا ترى هل سيبقى الإنسان سجين أضلاعه وجسمه ؟، وهل يطيق المرء الفاعل عزلة حقيقية؟ هل العزلة هي عزلة الجسد أم عزلة الشعور؟ وبعض الناس لا يرى فرقاً بين العزلتين، ولكن الحق أن بينهما كما بين السماء والأرض.
ربما استطاع الذكي الصابر أن يتقي عدداً من السهام التي يكرهها ببعض المراوغات الخفيفة، لكنه لن يصمد دائماً، سيسقط فجأة ليكون محل شفقة الضعفاء أمثاله، وسيكون عند سقوطه عبرة لغيره، سيذهب عقله إلى حيث لا يدري، وسيسير حينها إلى حيث لا يظن.
وقديماً قال الشاعر:هي الدنيا تقول بملء فيهاحذار حذار من بطشي وفتكيربما يعتزل المرء، فيغوص في عوالمه الداخلية، يستحضر ماضيه وأيامه، يبحر في تلك الأزمنة الغائبة بشخوصها والحاضرة بخيالها، يتذكر عدداً من المواقف المؤلمة التي كانت شخصيته سبباً في تلك الآلام له، في تلك اللحظات الحالمة وهو يغوص في أعماق نفسه، يحاول أن يغتال تلك الشخصيات، إنه يغتال شخصاً هو نفسه، لكنه اليوم غيره، شخصاً كان هو في يوم من الأيام يحمل نفس الجثة والجسم القائم اليوم، يحاول أن يمحوه من ذاكرة العقل الباطن، يلغي وجوده ويقضي على صورته التعيسة تلك، يقضي على جراح وأحزان وحماقات كان يرتكبها الشخص الذي كان يعيش بين أضلاعه ويحمل اسمه وشكله ونسبه.
ربما حاول القضاء على شخص آخر سبب له فزعاً وقلقاً، ولكن تلك الشخصيات المؤلمة لا تموت، رغم تقادم العهد وتصرف السنين ورغم محاولات القضاء عليها في العقل الباطن، إنها أشباح تأتيه في منامه، وتراوده في يقظته أحياناً، تظهر له أحياناً فتجلب معها البؤس والشقاء لتلك الروح والنفس المسكينة .
.
صراع النفس
خضر بن سند3 دقائق للقراءة

حجم الخط
