عندما يهاجَم الناس من أشخاص اعتادوا هذا الفعل كأن يتحرشوا أو يضايقوا الآخرين بسبب أو بدون سبب، فهذا دليل على خلل في شخصياتهم ونقص في عقولهم، أو بدوافع أخرى مما يندرج تحت الجريمة والتخريب، ونجد كثيرا من الأمثلة في هذا الجانب كالذين يتحرشون بالآخرين بدافع السرقة أو الاستغلال أو غيره، ولكن عندما تأتي هذه الأفعال من أشخاص لهم صفة اعتبارية كموظفي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا يعد كارثة حقيقية.
رجال الهيئة الذين تهجموا على البريطاني وزوجته السعودية أيا كان خطأهم يعتبر من الجرائم التي يجب أن يعاقب عليها القانون، فالفعل الذي شاهده الكثيرون داخل المركز التجاري وفي مواقف السيارات لا يقبله شخص لديه ذرة من العقل، هجوم همجي غير مبرر على الرجل وزوجته بدءا من سحب بطاقته البنكية ومرورا بالتهكم والشتم وانتهاء بالقفزات الجوية من رجال الهيئة لضرب الرجل وزوجته، أفعال لا تصدر من عاقل رصين، فلم يسبق لي أن شاهدت رجل أمن من الشرطة أو المرور يقوم بهذه الأفعال، بل لا يجرؤ رجل الأمن على فعلها، فهناك قوانين توقف المخالفين بطرق حضارية.
إن الفعل الذي قام به رجال الهيئة لم يقبله المجتمع في غالبه وإن كان هناك من يدعم فعلهم ولكنهم ولله الحمد قلّة، ولو ترك الأمر لبعضهم لشاهدنا يوميا العديد من الفيديوهات المشابهة في جميع المناطق.
العقوبة التي صدرت بحق هؤلاء الخارجين على القانون لم تكن بحجم الجرم الذي فعلوه، فنقلهم خارج الرياض فيه تعاطف كبير معهم ولن يردع الآخرين من نفس الفعل مستقبلاً، وأنا أستغرب عدم تحويلهم إلى هيئة التحقيق والادعاء العام، لأن كافة أركان الجريمة متوفرة كالفيديوهات المصورة والكاشيرة ومدير الأمن، كل ذلك يدين هؤلاء الخارجين على القانون ويثبت حق المعتدى عليهم بدون أدنى شك، فلماذا هذا التهاون في جريمة آلمت المجتمع وهي مكتملة الأركان.
إن التهاون في مثل هذه التصرفات قد تحول هؤلاء إلى عناصر إجرامية تهدد أمن الوطن والمواطن، ولقد شاهدنا ورأينا تصرفات أدت إلى قتل أبنائنا داخل السعودية والقضايا أشهر من أن تذكر، فالعنف طبيعة وشرع عند بعضهم من غير المؤهلين لأنهم يتمتعون بالجهل فيعوضون ذلك بالعنف اللامبرر مبتغين بذلك مرضاة الله في رأيهم، ونسوا أن المنهج الحنيف يؤكد على الأمر بالمعروف والمجادلة بالتي هي أحسن.
عقوبة النقل التأديبي لن تعالج الأمر، فأساس المشكلة لم يعالج، وسيتأذى أناس آخرون في المدينة التي نقلوا إليها لا محالة، وكان الأجدى تحرير فكرهم هم ومن على شاكلتهم من الأفكار الشاذة التي لا تمت للدين بصلة.
فلماذا لا يكون هناك دورات دورية متخصصة يتم إلحاق مثل هؤلاء بها، ويقدمها متخصصون في علوم الدين وعلوم النفس والاجتماع؟ لماذا لا تكون هناك ضوابط لعمل رجل الهيئة بحيث يعرف ماله وما عليه؟ ولماذا لا يتم اختيار الأفراد الميدانيين وفق معايير ومقاييس دقيقة واعتبارات ثقافية وفكرية متوازنة، ودرجة علمية تؤهل الموظف للتعامل مع الجمهور وفق ما نادى به الشرع من لين ومعروف وحسن خلق وإدراك؟يجب أن يقتنع القائمون على جهاز الهيئة بأن الخلل لديهم فكري ولا يعالَج بقرار إداري أو بالنقل التأديبي أو التحويل لوظيفة إدارية، بل لا بد من أن يكون هناك مشروع وطني هدفه تنظيف فكر هؤلاء وتعليمهم وتوعيتهم والارتقاء بهم، ليخدموا المجتمع مثلهم مثل الأجهزة الأمنية الأخرى التي تسهم في انضباط المجتمع وليس تدهوره والعبث به، فعمل أعضاء الهيئة الميدانيين عمل حساس يلامس المجتمع بشكل مباشر من خلال التعامل اليومي، ولتحسين صورة هذا الجهاز ينبغي كأولوية قصوى اختيار العضو المناسب للعمل في الميدان.