الآن رئيس الوزراء العراقي المكلف حيدر العبادي على المحك! إما أن يغير ويتغير، وإما أن يتهرب من مواجهة المشاكل والأزمات بافتعال أزمات جديدة للتغطية على فشله كما فعل رئيس الوزراء المخلوع، وهو أمام مسؤولية سياسية ودينية واجتماعية وحضارية ثقيلة جدا، تحتاج إلى معجزة كبيرة لأدائها، البلد «خربان» من أوله إلى آخره، من أقصى «زاخو» إلى أبعد نقطة من الـ «فاو»، أوضاعه أسوأ بكثير من بداية سقوطه على يد الأمريكيين عام 2003.
صحيح أن مؤسسات الدولة قائمة على قدم وساق وتعمل أربعا وعشرين ساعة، ولكنها موبوءة بفيروس الطائفية والعنصرية الشوفينية والفساد والمحسوبية. معظم محاكمنا العليا يديرها قضاة طائفيون ومرتشون يسمعون كلام الساسة المتنفذين، أكثر من سماعهم لآيات الله وأحكامه ومواد الدستور والقانون. والبنك المركزي استولى عليه المالكي وأعضاء حزبه بعد أن طردوا رئيسه الشرعي لكي يتلاعبوا بأموال البلد كما يشاؤون. وقد قرر مجلس الوزراء المنتهية صلاحيته مؤخرا تعيين «علي العلاق» محافظا للبنك المركزي العراقي، مع أنه لا يملك أي خبرة في الشؤون المالية والاقتصادية! وكذلك الوزارات. والمناصب العليا في الدولة خضعت للبيع والشراء مثل أي سلعة أخرى..مقاولات يدفع صاحبها الملايين ليتولى وزارة «مترشية»، وكلما كانت الوزارة تدر ربحا أكثر ارتفع سعرها وغلا ثمنها.
يقال «إن وزارة التخطيط العراقية والتعاون الإنمائي ذهبت لأحد السياسيين خلال حوارات تشكيل الحكومة الجديدة، لكنه رفض تسلم المنصب متذرعا بأنها وزارة ذات واردات مالية قليلة!!»، وأيضا ذكرت»رابطة الشفافية» المستقلة العراقية المعنية بالفساد المالي في تقرير جديد لها أن «جهة سياسية قبضت بالفعل مبلغ خمسة ملايين دولار من أحد الأشخاص مقابل وعد قطعته له بمنحه حقيبة وزارية، في حين أن جهة سياسية أخرى تفاوضت على بيع حقيبة وزارية أخرى مقابل مبلغ خمسة ملايين دولار»!
ولم يخف رئيس المؤتمر الوطني العراقي «أحمد الجلبي» أن دوافع ائتلاف دولة القانون في المطالبة بحقيبة وزارة الدفاع في الحكومة الجديدة «من أجل مواردها المالية»!
ولو كانت ثمة مؤسسات قضائية مستقلة تردع الوزير الفاسد أو المستشار الفاسد أو البرلماني الفاسد وتعاقبه بشدة، لما تكالب السياسيون على المناصب المهمة التي يجنون من ورائها أموالا طائلة، ولكنهم أدركوا أنهم في مأمن من العقوبة مهما فعلوا، وعلموا أن هناك من يحميهم ويدافع عنهم، كما حدث مع وزير التجارة «عبدالفلاح السوداني» الذي اتهم بالفساد والرشوة وسرقة الملايين من الدولارات نتيجة تلاعبه في مواد البطاقة التموينية، ولكن المالكي تدخل في الأمر وأنقذه من السجن والبهدلة، وهربه إلى الخارج، وفعل الشيء نفسه مع عشرة من الوزراء إلى جانب مسؤولين كبار في البنك المركزي من أنصاره، بحسب مذكرة أمريكية رسمية.
هذه القضايا وغيرها يجب أن تتصدى لها حكومة «العبادي» بجرأة وتحاسب اللصوص، إن كانت فعلا تريد أن تبدأ مرحلة جديدة وتخدم العراقيين، فمن غير المعقول أن تضم شخصيات اتهمت بالفساد وسرقة المال العام في تشكيلتها الوزارية، فهل ينفع مثلا أن يشارك «المالكي»، أو أي شخص تحوم حوله شبهات الفساد والقتل في الحكومة القادمة؟
هل من المعقول أن يتولى زعيم ميليشيا طائفية وهو يحمل الجنسية الإيرانية مثل «هادي العامري»، وزارة من أخطر الوزارات، وهي وزارة «الدفاع» أو «الداخلية»، أو أي منصب أمني رفيع في الحكومة الجديدة؟ والذي أثار بتصريحاته الاستفزازية ضد البيشمركة الكردية في كركوك مؤخرا أزمة جديدة لحكومة «العبادي» التي لم تتشكل بعد!
على «العبادي» أن يطرح مشروع قانون صارم إلى البرلمان لإقراره، يحاسب بموجبه كل من يقوم بتجريح أو تخوين أو إهانة شخص أو حزب أو قومية أو طائفة أو دين لإثارة فتنة بين العراقيين، كما فعل «العامري» ضد الأكراد، وكما كان يفعله المالكي ومستشاروه كل يوم وعبر وسائل الإعلام الحكومية ضد خصومهم السياسيين..
يجب عدم السماح لأقطاب التطرف السياسي والديني أن يمارسوا دورهم التخريبي في المجتمع العراقي، وكما ذهب»المالكي» إلى غير رجعة يجب أن تذهب النزعة «المالكية» أيضا إلى غير رجعة..التركيبة السياسية الجديدة لا تحتاج إلى نواب متشددين داخل التحالف الوطني، ممن كانوا يوصفون بـ «الصقور» داخل ائتلاف دولة القانون..العراق الآن بحاجة إلى حمائم وليس إلى صقور.
يجب أن يفهم النواب أن مكانهم في البرلمان لإقرار التشريعات والقوانين والدفاع عن مصالح المواطنين، وليس مكانهم القنوات الفضائية لنشر الفرقة والكراهية بين الناس ومهاجمتهم، لمجرد أنهم يخالفونهم الرأي..على العبادي أن يقوم بكل هذا، وإلا فليعتذر عن تشكيل حكومته من الآن، لأنها محكومة بالفشل الذريع!
إنهاء "المالكية" شرط لنجاح "العبادي"
محمد واني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
