تشرفت قبل عدة سنوات بحضور مأدبة عشاء في منزل الأخ الأستاذ عبدالله الشهيل على شرف معالي الأستاذ إياد مدني وكان وقتها وزيرا للثقافة والإعلام، بحضور كل من الأخ الدكتور فهد العرابي الحارثي والأستاذ خالد المالك والأخ الأستاذ حسين سجيني (يرحمه الله) وضيف آخر لا أتذكر اسمه حاليا.
وقد كانت جلسة مختصرة تطرقنا فيها للعديد من الأمور التي تخص الوطن. وسنحت لي الفرصة بالتحدث عن جريدة الندوة مع معاليه على مسمع من الجميع، وما تعانيه سواء من هيئة التحرير أو العاملين والمالكين، وما يعانيه هؤلاء من الوزارة، واستغرابي والكثيرين معي من أهل مكة من سلبية الوزارة تجاه الصحيفة الوحيدة الصادرة من مكة، والتي تمثل تاريخا عريقا من تاريخ الفكر والثقافة في وطننا وخاصة في مكة المكرمة.
تحدثت مع معاليه بكل صراحة وشفافية عن الصراعات بصمت بين المالكين والمجاملات وعما سمعته من بعض المالكين وفقدان الاهتمام بها والثقة في نموها من جديد، الأمر الذي أدى إلى ما وصلت إليه من تدهور وعزوف عن الكتابة والقراءة عنها. وتساءلت بكل أسى: أهذا ما يستحقه أهل مكة من الدولة ممثلة في وزارة الثقافة والإعلام؟ وقد علق على حديثي مؤيدا الأخ الدكتور فهد الحارثي بحكم خبرته ومعرفته بالصحيفة لتعاونه السابق معها ومع القائمين عليها، وكان هادئا ومستمعا جيدا ومستفسرا عن بعض النقاط بنظرة الخبير العارف، وكنت حريصا على إقناع المستمع للتدخل على أعلى المستويات لانتشال الندوة مما وصلت إليه لعوامل كثيرة إلى أن أصبحت لا تقرأ لعزوف الكتاب المميزين عنها، وعزوف القراء عن مجرد الاطلاع عليها، ونصوب إيراداتها إلا من بعض الاشتراكات القليلة وريالات بعض المكيين الذين يحرصون على شرائها حبا لمكة ولمعرفة بعض أخبار مدينتهم المباركة، وأكدت عليه وهو يهم بالمغادرة بعدم ترك الندوة على حالها إكراما لمكة وأهلها فوعدني خيرا وبأنه سوف يهتم بالأمر شخصيا.
وبعد مدة قصيرة قرأت نبأ تبرع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، يحفظه الله، بمبلغ عشرة ملايين ريال لصحيفة الندوة لتتمكن من الوفاء ببعض التزاماتها. وكان ذلك الدعم بلسما لمداواة بعض الجراح وتطييبا لخاطر أهل مكة. وكنت أرى أن الأمر يحتاج تدخلا جراحيا شاملا. ورغم مرور الوقت لم أفقد الأمل لمعرفتي بأهمية مكة والمدينة المباركة، ثم لثقتي بوعد معالي الوزير بالاهتمام بالأمر. وبعد مدة ليست بالطويلة كان معالي الوزير في زيادة لمنطقة تبوك لحضور مناسبة عامة فصرح لوسائل الإعلام بضرورة الاهتمام بالندوة والعمل نحو تطويرها وانتشالها مما وصلت إليه. وبالفعل تدخلت الدولة ممثلة في وزارة الثقافة والإعلام فكلفت مركز أسبار للدراسات الذي يملكه ويرأس مجلس إدارته الأخ الدكتور فهد العرابي الحارثي بعمل دراسة شاملة إداريا وماليا واقتصاديا وسوقيا وفنيا عن الندوة والمؤسسة التي تملكها، وما يمكن عمله نحو الإصلاح والتطوير لتكون واجهة ثقافية وحضارية في مكة المكرمة، فبدأ المركز بجمع المعلومات والبيانات وعقد ورش عمل، وفي المقال القادم سنعرف كيف تمت هذه الخطوات إلى أن أصبحت صحيفة مكة في شكلها الحالي.