في عالم الكلمات يتردد مصطلح (النجاح) أكثر من غيره رغبة فيه أو تخوفا من ضده وهو (الفشل)، وأمام هذه الرغبة والرهبة تنشأ الثقافة الضخمة من الإدارات والكتب والدورات، ويتشكل منها سوق استثماري كبير،. والحق أنها آتت ثمارا لا يجوز تجاهلها، أو تجاوزها، إلا أنه حين يتحول ما نريده إلى شكل هلامي فإنه يصير إلى شعار يخفي الحقيقة ويحجبها، وهكذا هو الإنسان مجمع الثنائيات والترددات، فخالقه سبحانه قد هداه النجدين “وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ”، ومن هنا كان لا بد من الوعي الذي يكشف عن ممارساتنا، هل كانت صحيحة هي وفاعلة، أم إنها كرة خاسرة؟!
فالمؤشرات لا تدل على أن الكم الكثير من مشروعات ثقافة النجاح ـ الفردي والمؤسسي ـ يؤتي ثمار النسبة المتوقعة أو قريبا منها، مما يعني أننا بحاجة ـ بل أمام ضرورة ـ لإعادة النظر وتقويم الإنجاز! وحيث إن النجاح في مرتكزه التأسيسي يتمثل في الحالة الشخصية لكل إنسان والذي بدوره سيتحول إلى رئيس ومدير ومعلم وعامل، أي سيتحول إلى حقل من حقول الحياة ليعمرها، وتتحول معه حياته وحياة من حوله ومن يصلهم تأثيره.
فالنجاح الشخصي أو الفشل بدايتان مختلفتان لحياة تختلف “لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ”. إن أهم الأبعاد التكاملية للنجاح الشخصي الانسجام الروحي: وهو عمق الأبعاد ومرتكزها. ونقصد بالانسجام الروحي إدراكا واعيا للعلاقة بين الخالق والمخلوق بطريقة واعية للعظمة التي نشأ بها الخلق “بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ” وبطريقة واعية أيضا للعظمة التي تحيط هذا المخلوق في كل وجوده “أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ”، “اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ”. هذه المعاني الكبيرة حين تتكشف عنها وعليها فطرة الإنسان وتنسجم مع مكتسباته تكون هي الأساس الذي تنطلق منه أخلاقيات ضميره الحي، وإنسانيته الجميلة، وآدميته الكريمة، فالروح نفخة ربانية مقدسة، والانسجام الروحي يمثل عمق الأبعاد وأساس الحركة.
وأما البعد الثاني فهو التوافق النفسي: على اعتبار أن النفس غير الروح، فالنفس تحمل ثنائية التزكية والتدسية “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا”. ولما كانت كذلك فإن نجاحها في استقرارها عن طريق الإيمان واليقين والصفاء والسكينة والإلهام والحدس، وكلها حركات تقود إلى الهدوء، وتفتح الآفاق أمام النفس للوجود الحق “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ”، وفي طريق النجاح النفسي. ومن ضرورات التزكية الخلاص من أمراض النفوس وضغوطاتها من الريب والقلق والنكد والاكتئاب، والهم والحزن والتذمر واليأس. وهذه مرحلة سابقة كتطهير للصفات المكتسبة الجميلة.
إن التوافق النفسي كبعد للنجاح الشخصي في غاية الأهمية في كل أدوار الحياة، الإنسان مع نفسه، ومع أسرته، والناس أجمعين. وما لم يكن هذا التوافق فإن البديل عنه هو الاضطراب والانزعاج الذي يدمر الذات والبيت والعمل والصداقة، ويحجب الرؤية، ويحبس الإنسان في خطوته الأولى، ذلك لأن النفس مصدر الهدوء أو الانزعاج العقـلي. فـ”العقل لا يعمل إلا إذا كان هادئا”، وهو ما نعنيه في البعد الثالث للنجاح الشخصي وهو: الذكاء العقلي، فالعقل وهو القوة المدركة يعمل من خلال أربعة أدوار تكاملية، أولها التجميع المعلوماتي بما يتاح له من المصادر بما فيها المصادر النفسية كالحدس أو الروحية كالإلهام، ثم يقوم ثانيا بعملية التفكيك والفرز المعلوماتي والتصنيف بشكل دقيق، ثم يقوم ثالثا بالتركيب المعلوماتي لتكون على جاهزية تامة وقت الطلب، ومن هنا فما يتم إدخاله بشكل جيد، ومن نوع جيد يتم إخراجه كذلك.
أما المرحلة الربعة فيقوم العقل بتجاوز ما ليس صحيحا وما ليس نافعا، وهي مرحلة مهمة في النجاح حتى لا يصبح العقل خزانة للخرافة وما على شاكلتها، وحتى لا تكون الذاكرة ثقيلة بما لا ينفعها أو بما يعيق سيلان الذهن وجودة الإبداع.
أما البعد الرابع فهو الصحة الجسدية، إذ لا تشفع الأبعاد السابقة مع علة الأجساد، فالجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ـ كما في الحديث ـ ولكل إنسان أن يتبصر حاله وما تستدعيه. والمهم أن النجاح أبعاد تتكامل كتكامل الصوت والصدى، وبذلك يتأكد أن النجاح دائما بحاجة إلى إعادة الاختبار.