من محبٍّ قد تأتي «القسوة» دافعها «الشفقة»؛ واستشرافاً للوصول لسقفٍ عالٍ من المهنية و»الجودة» لتحقيق تطلعاتٍ تعكس الصورة المشرقة؛ وقد لا يتحقق التأثير الكافي ما يحتّم تدخّلاً بمشرط النقد؛ وحتى بافتراض وجود الـ»ناقد الكاره» فالأولى تقبّل «نقده» كـ»معروفٍ» تستدعيه الضرورة تلافياً للأخطاء؛ و»رحم الله من أهدى إليّ عيوبي»!
تلك المقدمة مهمة لئلا يغادر القارئ الكريم «باكراً»! لأن عاطفته تأبى المساس –حسب مفهومه- بالمقدّس؛ دون أن يعي الفرق بين «الحسبة» -كجهازٍ أداءُ منسوبيه معيار نجاحه- ومفهوم الشعيرة الشامل الذي لا خلاف عليه؛ والشعيرة نفسها محكومة بضوابط صارمة تنظمها؛ وتحتاج إلى استشعار القائم بأدائها عظم الشعيرة نفسها ومقاصدها مطبّقاً لآدابها التّامة؛ فلا يخالف قيمها تحت أي ظرفٍ كان؛ كون الدين «يقمع» أساليب «الحِيَلْ» ولا يجيز تمريره من خلالها؛ ويكون «محتسباً» لترجمة سماحة الدين ورحابة أفقه؛ مستشعراً سعة رحمة العزيز الغفور؛ ومن هنا فالمحتسب -إن جاز لي التشبيه- شبيهٌ بـ«الموصّلات»! فله شرف إيصال «نور الشعيرة» متألقاً دون أن يعني ذلك اتّصافه بقداستها؛ لأن المعلوم يقيناً أن المصدر «نورانيٌ تامّ متألق» فالخلل إذن سيكون بسبب «ذات الموصّل» الذي يفترض فيه «الصلاح» و«الأهليّة» و«سعة الصدر» التي وصفها الزاهد «بشر بن الحارث» قائلاً: (يَنْبغِي ألاّ يَأمُر بالمعروفِ ولا يَنْهَى عن المُنكرِ إلاّ من يصبِرُ على الأَذَى).
ويبقى –نظراً لحجم الزاوية- الاعتراف بأن «الهيئة» -ومهما كانت إمكاناتها- لن تستطيع القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باتساع تعريفه؛ وأنّ المسمى بشموليته يشكلّ ضغطاً على الهيئة نفسها؛ وأداء الهيئة في الغالب هو الإشراف على «تجاوزات الجانب الأخلاقي» –في أغلب الوقوعات المسجلة- فهي إذن بحاجة ماسة –والمواطن كذلك- للائحة تحدد ماهية عملها لئلا تتداخل مسئولياتها مع صلاحيات ومهام جهات حكومية أخرى؛ إضافة إلى حاجة أفرادها ومراكزها للخروج من وطأة الفوز بسباق «إحصائية الوقوعات»؛ لأن الأهم هو تحقيق «الثمرة» التي تنعكس «حبّاً» وبركة، وتحيّد بشكل كبير جانب «التجاوزات».