لم يكد ينتهي الناقد من ورقته حتى همهمت الأصوات التي كانت صامتة «المساء الليلة شعري بالكامل« وهي الجملة ذاتها التي استعادها علي العيدروس في مداخلته لاحقا، وقال إن القراءة »نص على نص«، في إشارة للغة التي استعارت معاطفها من جارها الشاعر.
ففي الأمسية التي أقامها منتدى عبقر الشعري بأدبي جدة أمس الأول للشاعر محمد سيدي، والتي ضمت قراءة نقدية للشاعر عبدالمنعم حسن لمجموعة الشاعر سيدي لعبة الأحرف، تداخلت الصور الشعرية في لعبة تبادل الخرائط واحتمال البرهان من صورة إلى أخرى، بنبرة أقرب للتلاوة المتعالية أو الإنشاد الخفيف بين الشاعر والناقد.
وكانت الأمسية قد اسُتهلّت بتقديم من مديرها حسن الصميلي تناول فيه مغامرات التجارب الشعرية الجديدة وطرقها لأبواب مختلفة، ولكنها تشكل صوغا جديدا للمعنى الشعري بصورته هذه كما في تجربة محمد سيدي.
وقرأ سيدي نصوصا من تجربته الشعرية ليؤكد الناقد عبدالمنعم حسن في قراءته لمجموعة الشاعر أنه لا ينتمي إلى أي مثال سابق، وأضاف «هو يظهر كما لو أنه مستمتع بالتحدي الصعب الذي يدركه ويخوض في مغامرته بجدية كاملة»، مشيرا إلى الأثر الغامض المؤثر الذي يختزله في شخصية ديوانه الشعري من خلال التعريف الذي يبدأ عند نقطة التقاء العظمة بالضآلة »لعبة« في مقابل الوقار »الأحرف«، حيث يأخذ »المضاف والمضاف إليه« سبيلا آخر أبعد كل البعد عن التقليدية الثابتة.
ويضيف عبدالمنعم «إن لاعب الأحرف الماهر قال له ببساطة شديدة وهو يعيره النسخة الوحيدة التي في يده، هذا الديوان يُقرأ في الكافتيريا، بينما أنت تتناول الساندويتش، وحين فعلت، كنت أقرأ بصوت مرتفع وأفصل بين النص والنص بقهقهة عالية، ولم تفارقني الابتسامة من الأثر الغامض اللذيذ الذي صرت أحتشد به، ففي كل حرف كان يطلّ اللاعب بملكاته المحيّرة».
مشيرا إلى إشراقة اللغة اليومية السهلة، والأقرب إلى ألسنة العامة الملَطّفين تلطيفا معرفيا غير جدير بالاعتداد، إلا أن العبقرية هنا تقترح طرافتها الفنية المذهلة وتحافظ على الروح الغامضة الجالبة للأثر الغامض اللذيذ في طلاوة اللفظة، وقال «إن الديوان يقع في قسمين، الثاني منهما يضم خمس قصائد، إلا أن الفصل هنا ليس إجرائيا كما يُفهم، إنما للاختلاف في مستويات القراءة وفي المراحل التي سيجتازها المعنى إلى معنى المعنى، ويأتي الجامع بين القسمين في الديوان انتماؤهما لغنائه الأخير«.