إذا كان من الممكن للمتابع أن يقرأ سلوك الدول الكبرى في ظل المشروع السياسي، الذي تتبعه كل دولة من هذه الدول، فليس ذلك بغريب، بل هو أمر معتاد ومتوقع في علم وعالم السياسة، إذ جرت العادة أن ثمة محددات حاكمة على سياسات الدول الكبيرة المؤثرة في العالم، وأن تلك المحددات تنعكس بصورة أو أخرى على مجمل سياساتها ومواقفها، وحتى حين تخرج نادرا عن خطها المعتاد فإنها سرعان ما ترجع إلى رؤيتها الاستراتيجية الثابتة، ويظل هذا المشروع السياسي إن صحت التسمية حاكما على سلوك الدول إجمالا وإن تغيرت الحكومات والشخصيات، ومن أهم أسباب بقائه وحضوره أن هذه البلدان تحتكم إلى مؤسسات لا تتغير بتغير من يديرها فهي تمثل مرجعية لا يمكن حرفها عن مسارها وفق تحول ظرفي تبعا لسيطرة حزب أو لنفوذ رئيس، ويؤيد هذه المؤسسات ويعينها ما تمارسه الأجهزة الرقابية والتشريعية المؤثرة من دور فاعل في الحركة السياسية على الدوام، ومن تأمل – وللتمثيل فقط – السلوك السياسي الأمريكي فسيجد خطا عاما حاضرا في مجمل التصرفات السياسية الأمريكية، يمثل توجهاتها الكبرى، مع أن السلطة التنفيذية يتم تداولها عادة بين الديمقراطيين والجمهوريين بشكل شبه دوري، وكذلك الحال في بريطانيا مع المحافظين والعمال.
ومع استحضار هذا المعنى السياسي المهم واستدعائه لواقعنا المحلي يمكن القول بأن السياسة السعودية احتكمت في مجمل مراحلها التاريخية الماضية إلى سياسات وتوجهات معتادة معروفة، يمكن معها التنبؤ بمواقفها سلفا، وكانت لذلك ومعه مثالا للاستقرار والحكمة السياسية لعقود طويلة، وهو ما كان يمثل مصدر اطمئنان داخلي وإقليمي، عطفا على ثقل وتأثير المملكة العربية السعودية الديني والسياسي والاقتصادي والجغرافي، وهذا الميراث الكبير ومع كل هذه المتغيرات السريعة والخطيرة التي مرت بها المنطقة، وبالنظر إلى حتمية حدوث الدورات التاريخية للدول يمكن أن يخضع لمراجعة فاحصة تستلهم المقدرات الهائلة لبلادنا، وتستحضر المخاطر والتحديات المحيطة بنا، وتستند إلى البعد الإسلامي التي شرفها الله به، وتتكئ على وحدة وطنية وشعبية نادرة في زمن الصراعات والنزاعات ليكون ذلك مدخلا مهما لدور أكثر تأثيرا، ومناسبة لحجم هذه الدولة ومكانتها وأقرب لهويتها ومرجعيتها ورمزيتها، وليكون ذلك فتحا لآفاق جديدة في الواقع السياسي والإقليمي والدولي الذي بات اليوم أشد انحيازا وإقصاء في المجالات كلها.
إن العمل الجاد بهذا الاتجاه مع حركة مماثلة لتعزيز عناصر البناء الداخلي وخصوصا الاقتصادي منها سيكون بعون الله بداية لطور جديد لهذه الدولة المباركة، ومدا لمساحة تأثيرها ودورها، وارتقاء لمكانتها المنتظرة اللائقة بها بإذن الله، وما تقدم وإن كان حديثا عاما فالمفردات التي يمكن أن يضرب بها المثل لتحقيقه كثيرة جدا، وصاحب الشأن أعرف بها وأقدر على استنطاق المتخصصين المخلصين بشأنها متى أراد.
jameel.
a@makkahnp.
com
الرؤية السياسية حين تتجدد
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
