تنفس السودانيون الصعداء بعدما خطت حكومتهم أول خطوة باتجاه فك الارتباط مع إيران، من خلال قرارها إغلاق الملحقية الثقافية الإيرانية وفروعها في السودان، ثم أتبعتها بإغلاق الجناح الإيراني في معرض الخرطوم الدولي للكتاب وطردت موظفيه، وذلك بعد انتهاء المهلة التي حددتها الحكومة بإيقاف أنشطة الملحقية الثقافية الإيرانية في السودان وأمهلت الملحق الثقافي 72 ساعة لمغادرة البلاد لأنه «أصبح مهددا للأمن الفكري والاجتماعي» في السودان.
ولقي القرار ارتياحا كبيرا في الأوساط الشعبية التي رأت فيها خطوة في الاتجاه الصحيح لتصحيح مسار العلاقات السودانية تجاه المحيط العربي والإسلامي لتكون أكثر نفعا وجدوى، خاصة أن الواقع أثبت عدم جدوى علاقات السودان بإيران لضعف العائد منها وضعف التبادل التجاري والاستثماري بين البلدين.


مليون نعم
واستطلعت «مكة» آراء مجموعة من المواطنين في الداخل والخارج، فأجمعوا على تأييد الخطوة.
ويؤكد الصحفي السوداني ياسر عبدالفتاح المقيم بالمملكة العربية السعودية، تأييده المطلق لفك السودان ارتباطه مع إيران وإقامة علاقات متميزة مع محيطه العربي، ويقول: أؤيد بمليون نعم.
من جهته، دعا الكاتب الصحفي أحمدي فرح الحكومة إلى التركيز على ترتيب البيت السوداني أولا ومن ثم إقامة علاقات طيبة مع الجميع قائمة على المصلحة الوطنية للبلد، أي يكون العامل الحاسم في علاقاتنا مع جميع الدول تحقيق المصلحة الوطنية أولا وأخيرا مع تماسك داخلي متين.
وأكد المواطن السوداني أسامة حيدر جلال الذي يعمل في القوات الخاصة بقطر، تأييده لفك الارتباط، فيما دعا المواطن المنا خلف الله العامل في محل لبيع الأدوات الرياضية بالرياض، إلى الابتعاد عن طهران والبحث عن تحالفات أخرى اكثر جدوى في محيطنا العربي والإسلامي.
أما المهندس محمد عثمان غزال المقيم في قطر، فشدد على ضرورة توثيق العلاقات أكثر مع  محيطنا العربي، عادا إيران الخطر الحقيقي على الدين الإسلامي ولا تقل خطورة عن اليهود.


وقف التشيع
من جهته، قال الصحافي السوداني ياسر مختار رئيس تحرير جريدة «كفر ووتر» الالكترونية الرياضية: بالإمكان أن تكون هنالك معالجات أفضل من إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية، وكان من الممكن أن يتم التشديد عليها وإلزامها بعدم مخالفة قوانين البلاد وحصر دورها في الجانب الثقافي فقط ومنعها من الترويج للأفكار الشيعية.
وأضاف: مشكلتنا دائما أننا نلجأ للمرحلة الأخيرة من الحل ولا نضع أي اعتبار للتفكير في ما يمكن أن يحصل لاحقا، كثير من القرارات تم اتخاذها سابقا واتضح أنها كانت في لحظة انفعال، آملا بأن يكون قرار الإغلاق سببا في توقف المد الشيعي داخل السودان.
ورأى المواطنان حاتم أبوعدى وبابكر برسي أن طهران مصدر للقلاقل والإزعاج، والعلاقات معها ضررها أكثر من نفعها.
وسألت المواطنة سليمة الأمين: هل من المعقول أن حكومة البشير تفك الارتباط بطهران؟ وأجابت: لا أظن، فالأمر مجرد مزايدة في تقديري.

 

أبو الجوخ: الخرطوم تنتظر إشارات وضمانات لفك الارتباط نهائيا بطهران

قال المحلل السياسي ماهر أبوالجوخ لـ»مكة»: في السنوات الماضية ظلت أطراف عديدة تنظر بالشك والريبة لأنشطة الملحقية الثقافية الإيرانية في الخرطوم، وهناك أطراف سودانية تعتقد أن الملحقية الثقافية الإيرانية يرتكز نشاطها بشكل أساسي على الترويج للمنهج الشيعي، وظلت هذه المسألة محل شد وجذب في أوساط الحاكمين، وبالتالي ظلت جهات عديدة مقربة وذات علاقة وثيقة بالحكومة السودانية، تنهض بشدة لإغلاق الملحقية الثقافية الإيرانية.
وأضاف، أن تطور الأوضاع حيال إغلاق الملحقية الإيرانية التي دشنت في 1988، يمكن النظر إليه في جانب آخر، وهو توجه من الحكومة والجهات الرسمية لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه التمدد الشيعي، ولكن المسألة لها بعد سياسي باعتبار أن وجود الملحقية طابعه سياسي أكثر مما هو ديني، إذ كان يعبر عن مرحلة تقارب وتلاصق وتلاحم ما بين الخرطوم وطهران.
وتابع أبوالجوخ: ما حدث الآن هو أقرب في تقديري الخاص لما حدث للمؤتمر الشعبي العربي الإسلامي عقب المفاصلة بين البشير والترابي، والذي كان عنوانه أن السودان يبتعد عن توجهاته، وإذا قرأنا الأمر في سياق التطورات الأخيرة، فهي رسالة لأطراف خارجية عموما وللمحور الخليجي السعودي المصري مفادها أننا جادون في أن ننهي علاقاتنا والتزاماتنا بالمعسكر إيران وحماس، لافتا إلى أن معسكر إيران سيتضرر بصورة مباشرة من اتجاه الخرطوم الجديد، وهو تضييق لتحالفاتها الإقليمية، وخسرانها للإطلالة الاستراتيجية في البحر الأحمر، مما قد يؤدي إلى تصدع الأنشطة الحوثية في اليمن.
وتابع، الرسالة الأساسية من الخرطوم موجهة للمحور السعودي المصري الإماراتي بأننا نحن في إطار تخفيف التزاماتنا بإيران، وإذا وجدت الحكومة السودانية رسالة قوية من السعودية ومصر والإمارات وضمانات، فستكون مستعدة للتخلي عن إيران.
الحكومة السودانية قدمت هذا العربون، وربما هي تنتظر إشارات إيجابية متبادلة من المحور السعودي المصري الخليجي لفك الارتباط نهائيا بطهران، آملا من الأشقاء في السعودية ومصر والإمارات السعي لتسوية سياسية شاملة في السودان على غرار مؤتمر الطائف الذي أنهى الأزمة اللبنانية، وهذا إذا تم فسيكون في مصلحة استقرار السودان والمنطقة ككل.

 

بيان إغلاق الملحقية الثقافية الإيرانية

قال الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية السودانية السفير يوسف الكردفاني في تصريحات صحفية، إن السودان ظل يتابع نشاط المركز الثقافي الإيراني وفروعه بالولايات، إلا أنه تأكد أخيرا بأن المركز تجاوز التفويض الممنوح له والاختصاصات التي تحدد الأنشطة التي يخول له القيام بها، الأمر الذي أصبح مهددا للأمن الفكري والاجتماعي في السودان، وأصبح من الضروري اتخاذ موقف من هذا المركز بصورة رسمية، مما استدعى اتخاذ قرار إغلاق المركز وفروعه.
وأشار الكردفاني إلى أن هذا المركز كان للتبادل الثقافي بين البلدين وأصبح الآن مهددا للأمن الفكري والاجتماعي، موضحا أنه تم استدعاء القائم بالأعمال الإيراني بالخرطوم وإبلاغه بقرار إغلاق المركز الثقافي وإمهال المستشار الثقافي والعاملين بالمركز لمغادرة البلاد خلال 72 ساعة.

 

الوسيلة: المزاج السوداني يؤيد إقامة علاقات قوية مع الخليج

قال وزير الدولة الأسبق بالخارجية السودانية السماني الوسيلة لـ»مكة» إن السياسة الخارجية عموما لأي دولة يجب أن تقوم على المصالح المشتركة، وهذه إن وجدت فهناك علاقات أمتن وأقوى كعلاقة الانتماء التي تجمع ما بين السودان مصر والسعودية ودول الخليج، وهي علاقات تاريخية أثبتت جدواها، وبالتالي هي أفضل وتخدم مصلحة البلد، وهذا هو المزاج السوداني العام، مشددا على ضرورة أن تكون العلاقات السودانية - الإيرانية على حساب العلاقات السودانية مع دول الخليج ومصر، لأن ما يجمع بينها ينطلق من روابط العقيدة والدم والمصالح المشتركة.
وأضاف الوسيلة: نحتاج إلى دول الخليج ومصر كما هم يحتاجون إلينا بذات المستوى، وإذا كانت هناك علاقة مع دول معينة، فيجب ألا تؤثر بأي حال من الأحوال على علاقاتنا بمحيطنا العربي والإسلامي.
وتابع، أن إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية لقي تأييدا من المزاج العام السوداني، إذ كانت هناك محاولات لتغيير مفاهيم الشعب بمفاهيم أخرى.
وهذه المراكز، كما جاء في بيان الخارجية السودانية  الواضح جدا، تعدت الحدود المسموح بها وأصبحت تهدد تركيبة الشعب السوداني المترابط.
وأكد أن مجتمع السودان هو مجتمع الإسلام الوسطي المتسامح، ولكنه لا يحتمل أي تدخلات من أطراف دولية تحاول تغيير روح المزاج السوداني والذي لا نسمح لأي مدرسة فكرية دخيلة أن تعكر صفوه.