على الرغم من تخصصه ووظيفته في العمل العام، إلا أن الدكتور عبدالعزيز سرحان (65 سنة) تشرب مهنة الطوافة أبا عن جد، كغيره من أبناء مكة، ورغم شهاداته العليا وعمله في العديد من دول العالم، إلا أن الطوافة ما زالت تسيطر عليه، وهنا يفتح دفتر ذكرياته المترع بالتجارب.
منذ أن تحول الحج إلى الكتروني ضيع الحميمية التي كانت تتولد بين المطوف والحاج، فالمطوف يعدّ الحاج ضيفه الخاص، شخصيا أكملت 45 حجة مع ضيوفي من الحجاج.
بدأت عملي في الطوافة منذ أن ترعرعت في كنف جدي ووالدي المطوفين، فعملت معهما منذ سن مبكرة، وأسندت إلي مهمة تطويف الحجاج وأنا في الثامنة من عمري، وكان الحجاج المصريون يحملونني على أكتافهم خشية علي من الزحام، كنت أرتدي جبة سوداء أو بشتا عند دخولي للمسجد الحرام، وكان الحجاج يعطوننا مكافأة على تطويفهم، لم نكن نطلبها، ولكنهم يشعرون بأنهم يريدون مكافأتنا.
وفي عمر مبكر أيضا كنت أرشد الحجاج للأماكن التاريخية بمكة ليزوروها، وخاصة ما هو موجود في الحرم، مثل مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام ليصلوا فيه، وبئر زمزم ليشربوا منه، والمشاعر المقدسة قبل صعودهم إليها، ومقبرة المعلاة، والمساجد التاريخية التي كانت موجودة قبل الإزالة، وكانت أجمل أيام حياتي عندما نودع الحجاج ثم ننتظرهم بفارغ الصبر في العام التالي، ولم يكن ذلك سوى شعور داخلي بأن الحاج هو ضيف الله في أرضه وبيته.
كان المطوف والحاج يمثلان عائلة واحدة مترابطة، وكان المطوف يزور حجاجه في بلدانهم، وزرت مع والدي وعمري 15 عاما الحجاج في مصر وتونس والجزائر والمغرب، واستغرقت رحلتي معه 3 أشهر، وكنا نستقبل الحجاج عندما يأتون إلى مكة استقبالا رائعا، نقدم لهم الخدمات بكل أريحية واحترام، فكان أول شيء نعمله هو سرعة التسكين، ثم نأخذه للطواف والسعي، ثم إعادته لمسكنه ليستريح، ونقدم له وجبة طعام ضيافة، ثم يستمر التواصل حتى نأخذه للمشاعر، وهناك تقدم له الوجبات الساخنة التي كانت تعد وتطبخ في المخيم، فكان الحاج يخدم حتى مغادرته مكة.
حاليا وبعد أن أصبح العمل جماعيا، تغيرت الصورة، وفقدت صفة الترابط بين الحاج والمطوف، إذ زاد عدد الحجاج من 300 ألف إلى ملايين، وأصبح الحاج يعامل كرقم كما أصبح المطوف رقما، وليس اسما، إلا في كشوفات المؤسسة، وأصبح الربح المادي يطغى على البعثات الرسمية المشرفة على سكن الحجاج، بعد أن كانت هذه المهمة من خصوصيات المطوفين، وعلى الرغم من ذلك كله، وضع تنظيم يحدد مسار الحاج منذ وصوله لمطار جدة على سبيل المثال وحتى مغادرته السعودية، وفق تنظيم الكتروني جيد.
كان الحاج قديما يتعب، إذ إن الجمال والحمير هي الوسيلة، والخيام بدون تكييف، والمطاف صغير بقدر ما يأتي من حجاج، وكانت الدوارق الفخارية هي عبوات زمزم ومفارش الحرم (حنابل هندية)، أما المسعى فكان عبارة عن شارع أو زقاق، يسعى فيه الحجاج بين دكاكين الباعة، وأهل مكة والقرى المجاورة هم من يعملون في الحج حيث تسود البساطة، والتكلفة قليلة جدا، إذ كنا نأخذ 200 ريال عن الحاج، لجميع خدماته، فالمطوف لم يكن يهمه الكسب المادي بقدر ما يهمه أن يؤدي الحاج مناسكه في يسر وسهولة، لذا تجد كثيرا من المطوفين ومنهم جدي ووالدي رحمهما الله يقدمون أقصى ما لديهم في هذا المجال، بل ويتعداه إلى إقراض الحجاج أموالا هم في حاجتها، خاصة لمن فقد ماله أو قصرت عليه النفقة، فكان والدي يقرض الحجاج من جيبه الخاص، ولقد رأيت في سفري معه 1385، كيف كان الحجاج يعيدون ما اقترضوه من والدي من أموال، وكانت بعض القروض لا تتعدى المئة ريال، وبعضها يتعدى الألف ريال، بل إنني متأكد بأن لوالدي أموالا لم ترد حتى بعد مرور أربعين عاما على وفاته، رأينا ذلك في سجلاته رحمه الله، لكننا لا نعرف عناوين من اقترضوا منه.
عبدالعزيز سرحان: الحج الالكتروني غيب الألفة بين الحجاج والمطوفين
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
