كان ذلك في زمن السقائين، أيام كانت البراميل تتدحرج على أربع «عجلات»، تجُرّها الحمير، كان السقاؤون يوسعونها ضربا ووكزا ولكزا، فيتعالى «نهيقها» ـ حيا على الهواء البحري والشامي و»الازيب» ـ يبث «تركّات» حتى في زمن التخت الشرقي..»ستريو» متعدد السمّاعات، يتردد صداه في آذان حيطان البيوت والدكاكين!
حتى الحمير تعبر عن مشاعرها حينما تؤوب من رحلة العذاب..تدني وجوهها من بعضها وتهمس..وعيت هذا منذ الصغر في حارتي القديمة، رأيت حمار «فتيني» يبث أتان «حسن الفيل» غزلا محتشما.
لا تسئ الظن بالحمير يا ولدي، فليست «المشاعر» وقفا على البشر!
في هذا البيت «شطّفت» وجهي من غبار الركض..وفي الآخر»غمّست» شابورة في الشاهي..وفي البيت الكبير تحلّقنا -أنا وأترابي- حول أكبر تلفزيون (أبيض وأسود).
ويطلع علينا الإذاعي الوسيم «بدر أحمد كريم» مرددا عبارة مسجلة لتجربة البث..نتقرفص ملتصقين بوهج الشاشة حتى بعد أن تختفي الصورة، نواصل مشاهدة ذبذبات التشويش.
كانت «دادتي سعادة» ـ يرحمها الله ـ تتسفّع كلما رأت «الأستاذ بدر» ينظر إلى عينيها، تقول لبنات العيلة الراشدات «اتستّروا يا بنات وغطّوا جسمكم، الرجّال يناظركم»!
كانت من نواحي «لِيّة»، وفدت إلى الطائف المأنوس في زمن «الرقيق» ودارت بها الأيام حتى استقرت في بيت «سيدي».. وكانت لها كلمة وقيمة واحترام..وكلما صفا مزاجها تنهدت وتغنت بـ»لِيّة»:
إن جيت من لِيّة
قصور ملويّة،
ما طِقت أعدّيها
كيف البُصُر فيها؟
أمام بيتنا في الحارة القديمة وقفت طويلا، أشم رائحة الباب والأعتاب..وضحكت..وبكيت.. ورجعت من حيث أتيت!
أين النّاس؟!..ذهب الناس.. و..»جنّة بلا ناس ما تنداس» يا صاحبي!