الشيء الفاضح لما هي عليه «داعشٌ» مِن مكنوناتٍ/ وخفايا؛ يُمكن الاستدلال عليه بـ»باقية»؛ بوصفه الشعار الأبرز، والذي تودُّ تالياً أن تظهر في الناس من خلاله، باعتبارها قوةً ورقماً ذا بالٍ في حسابات شرطيّ المنطقة، وفي خارطةِ طريقِ غفيرها إذا ما هَمَّ بصِناعةِ جغرافيّةِ جديدة ستكون عليها المنطقة لا حقاً!!
فـ»باقية» إذن هي: (الثيمة) التي من شأنها أن تختصر مكوّنات هذا «الخطاب الخارجي» المأزوم في بُعديه العقدي والسياسي وفي إمكانيّةِ التوظيف لهما في صناعةِ مستقبلٍ سياسيٍّ عابثٍ بمكوّنات الهويّة.
وعلى أيّ حالٍ، فإنّ شعار: «باقية» الذي ما فتئ يروّج له أتباع «الظاهر» ومؤيدو»الباطن»على صيغةٍ تتضمّنُ هي الأخرى معنيين ظاهرين، أحدهما: معنىً يشي بالدعاء لها بقاءً وديمومةً، ويأتي هذا المعنى في سياقٍ دينيٍّ حافلٍ بكلّ ما يُمكن أن يُعد دليلاً على صحّة المنهج المؤيّد بإجابة الدعاء! وثانيهما: بمعنىً تحريضيٍّ بالغ الاعتداد بالذات والوثوق تالياً بأهليّتها لأن تبقى وأن تمتد، وهو معنىً يدفع باتجاه التّحدي صموداً قبالة الأعداء كلّهم، وذلك أنّ «الفناء» بمعنى القضاء المُبرم عليها متعذّرٌ - وَفْقَ أجندتهم وأجنّدة من وراءهم - إذ يأتي «الفناء» هاهنا في مقابل كل المعاني التي يصحّ أن يستوعبها لفظ «البقاء» هيمنةً وخلوداً، وبالكيفيّة التي تنفتحُ على مِخيالٍ تصنعه الأسطورة وتُغذيه إيديولوجيا بطموحٍ ليس من شأنه أن يقف عند حدِّ!
ولِمن شاءَ منكم أن يَخبُر وعن كثبٍ أبعاد هذا «العقل الداعشي» ابتغاء اكتشافه من داخله، بحيثُ يعرف كيف كان يُفكر؟ وما الآليات التي ما يلبث أن يتوسّلها إبان إعمال عقله؟ وإلى أيّ مدىً يُمكن أن يستقرَّ به هذا التفكير؟ ومتى سيتشظّى «الداعشيون» إلى جماعة متناحرة تنافراً فيما بينها؟ أقول: ليس لمن شاء أن يَخبُر كلّ ذلك سوى أن ينفذ إلى أقطار هذا العقل - تجاوزاً - من خلال مفتاحه الذهبي: شعار: (باقية) بكلّ حمولته مِن الدّالات التي تصبّ في خانة الخطلِ وتُسفرُ بالضرورةِ عن سوء الفهمِ الذي تتحرّك من خلاله في باحة: «النصوص الشرعية» وهي لا تبرح منطقة المجانبة شبه الدائمة للصواب جراء فقرها الفقهي والأصولي عطفاً على غيابٍ ظاهرٍ للورع الأمر الذي طالما أمعن في فضحه التخوّض في استباحة الدماء!
من هنا يبينُ لكم أنّ التّصحيحَ لشعار «باقية» من قِبلي إنما جاء على خلافِ ما يتمّ التسويق له مِن لدن «الداعشيّين» سواءً أكان هذا التسويق يتأتى برافعةٍ إعلانيّةٍ تتخذ من الظاهر لها منهجاً في الإبانةٍ عن ولائها المطلق في الجملة والتّفصيل لكلّ ما تأتيه «داعش» من الأقوال والأفعال، أم كان هذا التسويق يتوسّل الباطن نُصرةً وقياما بواجب الوفاء لمكوّنات –المشترك- في الخطاب الخارجي ومآلاته التي ما انفكّت تُنذِر بمستقبلٍ هو أفظع مما هي عليه «داعش» اليوم!
ولعلّ أهل الباطن -استتاراً- همُ: الأشدّ خطورةً على المدى الأطول إذ يتناسلون مِن رحمٍ لا يُمكن بسهولةٍ التنبؤ بموعد ميلادهم وتكاثرهم! وهمُ: الأصعب معالجةً؛ ذلك أنّ عِللهم تُشبه إلى حدّ كبيرٍ «الخلايا السرطانية» في خفائها وانتشارها بالسرعة التي تتفوّق فيها دوماً على سرعة يد أمهر جراح في عملية الاستئصال! وهم: الأوهن بناءً في التأصيل والتحصين بسببٍ مِن غلبة «العاطفة» التي تتحكّم في توجيه سلوكهم وبسببٍ أيضاً مِن بُعدِهم عن منطقة الصراع؛ ذلك أنّ القرب من بؤر «التصارع» غالباً ما يُعجل كثيراً بالكشف عن المخبوء فيما وراء أسباب نشأتها وهتك الستر الزائف بالتالي عن حقيقة قيّاديِّها!
هي: «باقيةٌ»، الشعارُ الذي جزمتُ بالحُكمِ عليه صِحّةً بنيتُه على جملةٍ من أسبابٍ أوجزها بهذه المجملات:
أولاً: باقيةٌ ما بقي: «المنهج التكفيري» يعبث تأولاً بمسلك فاسدٍ في تعامله مع «نصوص الوحيين» وذلك بانتقائيّةٍ من مقروءٍ لـ»السلف» يتم انتزاعه –أي هذا المقروء- من سياقاته بتوظيفٍ انتهازيٍّ غير مكترثٍ بمنهَجَيْ السبر والاسترداد التاريخي.
ثانياً: هو البقاء المرهون بمناخٍ تدينيٍّ لا يسود فيه غير منطق الإقصاء وأُحادية الحقيقة إذ تُنفق الأعمار -والأحبار- على تسمية الفِرق المباينة لمُسمى «الطائفة المنصورة» حيثُ تُستأنف بمعياريّة علميّة بادي الأمر ثم لا تلبث أن تتنكّب طريقاً ينتهي بها حيثُ وصم المخالف بما ينتقل به شيئاً فشيئاً عن مُسمّى «الإسلام» ورسمه. ولا تسأل بعد ذلك عن المصير»دنيا/ وآخرة» لِمن كانت هذه حاله ممن هو خارج -وفق تصنيفهم- عن طائفتهم الناجية المنصورة!
ثالثاً: ستبقى متجذّرةً في تربةٍ خصبةٍ ما ظلّ يتصدّر المشهد «الشرعي» أنصاف العلماء وأرباع الدعاة مِمّن تقعد بهم كسوباتهم -وجماهيريّتهم- عن قولِ «الحقيقة» تلك التي لا تودّ العامةُ أن تسمعها!
رابعاً: إنه البقاء الذي تؤيده «الإدارة الأمريكية» وفق عقليتها -التي لم تتغيّر- في إدارتها للمنطقة ولكن بشيءٍ من مقارفةِ تكتيكٍ من اللعب بكرات النار الحارقة بأسلوب استجدّ بفعل مقتضيات المرحلة، وبرهان ذلك هذا التحشيد (العالمي) في حرب تنظيم «الدولة الإسلامية» بطريقةٍ غير مسبوقة وكأنّها تروم شيئاً آخر غير الذي تُعلنه في الظاهر!
وآخر ما يسعني قوله التوكيد على أنّ «داعش» باقيةٌ بفعل خارجيٍّ ليس لـ»الداعشيين» فيه أي جُهدٍ، وإنه متى ما تمّ الانتهاء من استثمارهم بحسب ما خُطّط له قبلاً فإنه سيكون القضاء عليهم بصورةٍ أو بأخرى على أملٍ في استعادة إنتاج «داعشيات» أخرى لكنها بأشكالٍ ومسميات مختلفةٍ عن سابقتها ذلك أنّنا نمتلك القابلية التي تُمكّن الآخرين مِن أن يصنعوا بنا ما شاؤوا متى شاؤوا وبالكيفية التي يشاؤون ولهم في تراثنا/ وفي أبنائنا مادة لا ينضب معينُها!