أضحى الإعلام قوة ناعمة لمن لا يملك من القوة مقوماتها التقليدية، وقوة ناعمة استراتيجية لمن يملك تلك المقومات التقليدية وغير التقليدية. وأضحت القنوات الفضائية أقرب وسائل الميديا للذهنية الشعبية والوجدان الجماهيري، لأنها تقوم على المواكبة والصورة الحية والحركة والأداء، والمباشرة والحيوية، ولأنها تستوعب وتستثمر تقنيات الاتصال والتواصل الجماهيري بجميع أنواعها ومستوياتها.
وتتنامى أهمية هذه الحالة المعاصرة لتصل إلى ذروتها الدقيقة في وسائل التواصل التفاعلية الحديثة التي جعلت كل من يحمل هاتفا ذكيا كيانا إعلاميا قائما بذاته؛ يستقبل ويتفاعل ويبث أفكارا وأخبارا ومقولات، في حين كفلت تقنيات التواصل الحديثة لمستخدميها اتصالا دائما بتلك القنوات. ومعرض الحديث عن هذه القوة ومظاهرها يستدعي شبكة الجزيرة الفضائية وأذرعها الإعلامية، التي كانت فاتحة مشهد الصراع الفضائي على التوجيه والتأثير والتعبئة وتصفية الحسابات وتشكيل وعي الفرد والجماهير على حد سواء. كما كانت الجزيرة فاتحة المشاريع الإعلامية (القنوات الفضائية) - تحديدا- ونموذجها على صناعة إعلام مهني جاد بإمكانات وطاقات ورؤية متقدمة، احتل مكانا في وعي الإنسان العربي ووجَّهه إلى آفاق بعضها جدير بالاحترام، وبعضها غير جدير، حيث تحوَّلت هذه القناة من وسيلة إعلامية تمتلك أدوات احترافية ومهنية عالية الجودة، وكادرا تحريريا وفنيا بخبرات ومؤهلات عالية، إلى قوة تجسد الشعور بالضآلة وتدني التأثير للدولة المالكة التي لا تملك من أدوات القوة التقليدية شيئا، وتراكمُ حقائق التاريخ والجغرافيا زاد حدة شعورها بالهامشية في مشهد الحضور الدولي المؤثر، ومن ثم وجدت في الجزيرة العصا السحرية التي تسند كينونتها – إن لم تخلقها- وترتفع بها من هامش الوجود، إلى متن يحاول أن يكون مرئيا ومحسوسا ومشاركا في قضايا الدول وأزماتها، مرة بصنع تلك الأزمات، ومرة بمحاولة حلّها. وهو توجه يهتدي بمؤشرات المصالح والمطامح غير المشروعة وغير الأخلاقية أحيانا، من خلال الجزيرة التي غالت وأفرطت بالمزايدة على شعار (الحياد، والرأي الآخر، ومنبر من لا منبر له)..شعار لم يلبث أن تفتت وذوى؛ لأنه ضد منطق الأشياء، ووفق أزمة الدولة مع وعيها بالشعور بالصَّغر، فيما ظلت القناة بمقياس مهني مؤثرة ومواكبة بقدرات ومعطيات لا يسع المقام للتفصيل فيها، وأيضا غارقة لأذنيها في الأحادية والموقف السياسي المنحاز إلى ما تراه الدولة المالكة، وخلقت ظواهر ومظاهر ظاهرها العمل الإعلامي وباطنها انتهازية عارية وسافرة الملامح، ومناورات سياسية فارطة السذاجة والفجاجة.
وإذا كان أحد لا يشكك في سطوة وهيمنة القناة على توجهات الرأي العام الجماهيري العربي، فإن أحدا ليس بوسعه إدراك أن اختلال موازين القوى والعلاقات بين الدول، ومتغيرات الساحة الدولية، كانا أقوى من قدرة الجزيرة على اللعب بورقة الحياد المزعوم، حيث أذنت مرحلة ما يسمى بالربيع العربي بدخول فصل خريف الجزيرة، حيث تدابرت المصالح تحولا وتقاطعا وتضادا، فتنكرت لها أبواقها، واهتزت مقومات كيانها الداخلي، وفاحت رائحة عطب وحريق في مطبخها الداخلي، وتراجعت قدرتها على التوفيق بين نقاء الحياد ورافعة المصداقية وبين طموح الدولة، الذي هو أوسع من معايير مهنية أو حياد مدَّعى.
في الوقت الذي شبَّت فيه أقنية أخرى ولدت بعد الجزيرة وصارت منافسة لها وإن بإمكانات أقل، وبمساحة حركة وطاقة استيعاب وأهداف تتمحور حول مساحة إقليمية لا تتجاوزها، في حين كانت الجزيرة تطمح إلى الاستحواذ على الفضاء العربي الجغرافي والفكري، وأظنها حققت شيئا كبيرا من ذلك، فصار لكل رجل أعمال قناة، ولكل رموز مذهب قناة، ولكل طائفة قناة، ولكل مدينة قناة، ولكل صاحب مجموعة (بعارين) قناة، ولكل شركة مستحضرات تجميل أو مقويات جنسية قناة، وللإعلام الرسمي في كل دولة قنواته، وإن كان بعضها في حكم الميت - كما هو الحال لدينا.
هذا المشهد الفضائي بازدحامه وفوضاه وفورته وزهوه وتشوهاته، لا يعدم زُمرا من متابعين، هم زاده ووقوده، ودافعه على الاستمرار والبقاء، مع الفوارق والتمايزات المهولة في المهنية ومستوى الأداء، والقيمة والتأثير والاستقطاب والجماهيرية، ومحصلة ذلك كله القوة الناعمة التي أصبح يشكلها هذا الإعلام، القادرة على تشكيل الوعي وتوجيهه، والتأثير في الرأي العام، وتكوين الأفكار والتوجهات والمواقف.
قوة ناعمة
محمد الدبيسي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
