ما زلنا نتعامل مع الفساد الإداري بمفهومٍ واحدٍ فقط هو: الاختلاس! حيث يبدو الفساد أحول: يرى الجميع خلل عينيه (اليُمرى واليُسنى) بينما يرى (هو) الأشياء بشكل طبيعي كزرقاء اليمامة!
ولو افترضنا إمكانية ذلك (كما في كارثة سيول جدة) فإن محاسبة الأفراد لا تعني إصلاح الفساد، إذ المحاسبة (وهي خير) فردية، والفساد عام طام؛ وأهل المثل قالوا: «الخير يخص والشر يعم»!!
ولا بد إذن من صياغة تعريف أعم (وأطم) من السرقة والاختلاسات (الخاصة الماصة) يصحح (الحول)؛ فيحارب العام الذي يشكل ثقافة اجتماعية دون أن يغفل محاربة الخاص؛ إن استطاع اصطياده بلا فواتير ولا (تَلَبُّسٍ) «اسم الله علينا»!
ولكن المفهوم الأحول أحول (نزاههههههة) وأحولنا جميعاً معه! فصرنا (مثلاً) نرى (ساهر) فساداً وأكلاً لأموالنا بالباطل بمضاعفة المخالفة بعد شهر مع أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك لو التزمنا (نحن) بالأنظمة والقوانين المعلنة! بينما يتمثل الفساد الإداري الحقيقي لـ(مرور الكرام) في غياب رجاله ودورياته عن خدمة الناس في مواقع الزحام وأوقاته كالمدارس والجامعات والمستشفيات، وتأخرهم في مباشرة الحوادث ساعاتٍ رهيبة تضطر الناس للتنازل عن حقوقهم وفق قاعدة (كلٍّ يصلِّح سيارته)!
ولكن من أين تعلمنا الفساد الإداري (المفوتر) في وضح النهار (وليس الاختلاس التحتاني)؟ من التربية والتعليم طبعاً وقطعاً: فعلى مدى أجيال تصرف (إدارة المطبوعات) ملايين الريالات لتغيير (الغلاف) كل عام دون تغيير في المضمون إلا نادراً لإضافة اسم مسؤولٍ جديد وتوقيعه على كلمةٍ تشبه معلَّقات (أوباما)!
ولا تجهد الذاكرة المزهمرة خِلقةً بالعودة أربعين عاماً بل طالع ما نشرته «مكة» يوم الثلاثاء الماضي على مسؤولية الزميلة (سحر أبو شاهين) بعنوان: (صورة انترنت تسحب كتاب التربية الإسلامية)! وأمعن النظر (الأحول) وحاول أن تجد المسؤول عن سحب (غلاف) طبعةٍ كلَّفت الملايين وتصحيحه بملايين جديدة: هل هو (المتعهد) الذي لا يمكن أن يستلم (هبرته) قبل توقيع (المسؤولين) على استلامها بالشروط الصارمة التي أدرجوها في العقد؟ أم إنه المسؤولون أنفسهم الذين لم يردوا على مكالمات «مكة» ما دفعها (احترافياً) لذكر أسمائهم ومناصبهم، وليتها نشرت الصور والأرقام أيضاً!!