في موجة العنف التي ضربت مجتمعنا في السنوات السابقة نجحنا في القضاء عليه أمنيًّا، لكنه عرَّى المؤسسات الفكرية والثقافية في المجتمع وأبان عن هشاشتها وتخلفها وسذاجة تعاملها مع المشكلات الخطيرة التي تواجه المجتمع؛ إذ اقتصرت مشاركتها في محاربة العنف على إقامة ندوة إرشادية، أو محاضرة دعوية، أو إصدار مطوية عقيمة، وفشلت في تعرية خطاب العنف ونقده فكريا، واليوم في ظل صعود نجم تنظيمات العنف، وجاذبية خطابها مما يهدد بعودة موجة العنف مرة ثانية نحن بحاجة لاستراتيجية وطنية شاملة لمحاربة التطرف والعنف، هذه الاستراتيجية ذات ثلاثة أبعاد: بعد فكري، وبعد تثقيفي تربوي، وبعد عملي؛ فأما البعد الفكري فيقوم على القراءة النقدية لمرتكزات خطاب العنف وهي في مجملها تقوم على فكرتين؛ فكرة (الحاكمية)، وفكرة (الولاء والبراء)، ويتفرع عنهما أفكار كثيرة كدار الحرب ودار الإسلام، وتكفير الأعيان، والعذر بالجهل، وكفر عضوية المنظمات الدولية، وكفر إقامة الأحلاف مع الدول غير المسلمة، والتشبه بالكفار، وغيرها من الأفكار، والملاحظ أن غالبية الذين تناولوا خطاب العنف الفكري يتفقون مع دعاة العنف في التأصيل النظري لتلك المفاهيم، لكنهم يختلفون عنهم في تحرير محل التطبيق، وهذا ما يفسر عجز أصحاب هذا الخطاب في النقد الجذري لخطاب العنف من وجهة النظر الإسلامية، وأحسب أننا بحاجة إلى خطاب ديني جريء يقوم بتفكيك تلك المقولات، ويعيد قراءتها، وهي -على التحقيق- في مجملها مصطلحات ملتبسة يختلف العلماء في تفسيرها، وهي في محصلتها النهائية خاضعة لمصلحة الأمة.
وأما البعد الثاني: وهو البعد التثقيفي التربوي فيقوم على صياغة مشروع ثقافي تربوي شامل تشترك فيه وزارات التعليم، والشباب، والثقافة يكون هدفه تثقيف الأجيال الشابة عن التسامح، وطريقة التعامل مع الآخرين مسلمين وغير مسلمين، وتقبل الاختلاف، وتوعيتهم ببشاعة الحروب وآثار العنف، كل ذلك من خلال إقامة المهرجانات الجماهيرية والمسابقات الثقافية، وتقام تلك المسابقات والمهرجانات في الأندية الأدبية، والمدارس، ومساجد الأحياء، وإصدار كتيبات، ولوحات، وأفلام ومسلسلات، وقصص توزع على مجمعات الشباب، وتذاع في وسائل الإعلام، وتقام حولها الحوارات والمناقشات في النوادي الرياضية والمدارس والمساجد؛ لخلق جيلٍ متسامحٍ محترمٍ للإنسان، ومتقبلٍ لمن خالفه في آرائه أو لونه أو دينه أو مذهبه.
وأما البعد الثالث: فهو البعد العَمَلي؛ وهو خلق البيئة الطاردة للعنف، وذلك بخلق الأجواء المناسبة لينشأ الشاب لدينا النشأة السوية بعيدا عن الكبت والاضطهاد، والملاحقة والاتهام، وإغلاق الأبواب في وجهه في الأسواق والمتنزهات، وهذا يتطلب إتاحة الأجواء للشاب ليملأ وقت فراغه مع ما يوافق هواياته ورغباته البريئة، ويتم هذا من خلال تفعيل دور المدرسة في المجتمع؛ وذلك بإقامة دوري رياضي في جميع الألعاب بين مدارس كل منطقة، وكذلك بإقامة المسابقات المدرسية بين المدارس في الثقافة، وفن التصوير، والرسم التشكيلي، والنشاط المسرحي، وتكوين رابطة تشجيعية في كل مدرسة، وتكثيف الرحلات المدرسية والزيارات إلى المتاحف، ومشاركة المدارس في أنشطة المجتمع كتنظيف الشواطئ والمتنزهات، وصبغ الأرصفة، وغيرها من الأنشطة المجتمعية، كلُّ ذلك ليعبر الشاب عن نفسه، وليتعزز لديه روح الانتماء إلى المدرسة مما يخلق لديه روح الإشباع العاطفي للصداقة، وتنمية المهارات، وتمضية وقت الفراغ بعيدا عن قُـنَّاصِ العنف والتطرف، وكذلك تفعيل دور جمعيات الفنون والنوادي الرياضية والأدبية وذلك بإقامة الدورات الخاصة بالشباب في التمثيل، ودورات في كتابة المقال والقصة والخطابة، وتعليم الحاسب الآلي، وعقد المسابقات الثقافية، والدورات الرياضية بين فرق الحواري تحت إشراف الأندية، وفي الوقت نفسه تكثيف إقامة الجمعيات الأهلية في المدن والقرى، وتخفيف شروط إقامتها، وهي الجمعيات التي توفر للشاب جوًّا من المتعة البريئة كجمعيات التصوير الفوتوجرافي، والفن التشكيلي، والتمثيل المسرحي والسينمائي، والأشغال اليدوية، والسماح بإنشاء دور السينما لعرض الأفلام النظيفة والهادفة والوثائقية، فمما يصيب الشباب لدينا، ويُسلمُهُ للملل أن تنعدم لديه أي فرصة لقضاء وقت الفراغ في اللهو البريء كما هو موجود في كل دول العالم، فلم يبق للشاب لدينا إلا أن يذهب لمقهى في أطراف المدينة ليعُبَّ من سموم الشيشة، أو يفحط بسيارته، أو ينكب على الانترنت متجولا في مواقعه بريئة كانت أم سيئة، أو يلتحق بخلية سرية ليمارس معها العنف.
ومن دون وجود استراتيجية شاملة لمحاربة العنف والتطرف ستظل كل معالجاتنا قاصرة، وآنية، وجزئية.