ما معنى الكتابة اليوم؟ سؤال قديم-جديد ومعالجته - ولو في صيغ وأوقات متفرقة- فرض عين على كل مهموم بالكتابة ومسكون بشؤونها... قد أجيب عنه بدءا على نحو رومانسي أو ما شابه، لكن لممارسة الفعل الكتابي ضدا على الموت في المآل أو المتمظهر بعلاماته السالبة في الحال، لا مناص من حمله على محمل الجد في التمثل والتحصيل حتى تتوافر جودة الوضع الموفق والإبداع الأخاذ. ذلك لأن في الكتابة ليست كل الأقلام متساوية، فبين القلم الرديء والقلم المجيد أحوال ومقامات لا يقطعها إلا من حرّك كلماته بدمه، ووقف موقف الكدح.
الكتابة الإبداعية عملية معقدة متشعبة، لأنها لا تنبني على الشعور وحده، وإنما أيضا على اللاشعور بما يعج به من منسيات ومكبوتات؛ إنها عبارة عن مخاض عسير ولكنه جميل، إذ تروم إما إعادة تركيب الواقع، وإما الدفعَ به إلى أقاصيه، وإما إلى تذويبه في ضد وبديله. وفي جميع الحالات تتبدى الكتابة وكأنها تحقيق لما لا يتحقق في الواقع، وسبيلها إليه الرؤيا والفانتزم، أو كأنها -دائما- على موعد مع الواقع من أجل سبر غوره وكشف حسابه في مرآة قيم أخلاقية وجمالية متأصلة متطورة.
الكتابة عند كبار المبدعين ضرب من التعبد، ولا ريب أن القصد بهذا النعت هو البعد الروحي الذي على الكاتب أن يجده ويوجده في علاقته بالسرمد أو الوجود عبر-الزمني، بمعنى أن يبدع في موضوعة الحب مثلا كما لو أنه أول المحبين، أن يكتب فيما يشاء ويريد، لكن من دون أن يفقد أبدا شعوره المبهم أن ثـمة بين ثنايا كتابته تحديا للموت وذرة مّا من المطلق.