اكتشاف بعض المتصفحين لموقع وزارة العمل السعودية وجود “مهنة شاعر” على قائمة المهن التي يمكن الاستقدام عليها من الخارج، لا يصلح موضوعاً للسخرية والهزل، فالأحرى أنه باعث على إحساس المفاجأة والفجيعة، وموضوع جذري لمناقشة الهدف من الاستقدام للعمالة الأجنبية الذي غدا في حد ذاته قطاعاً تجارياً لا يفتأ عن استلهام خاصية الاقتصاد الاستهلاكي الذي وصفه روجيه جارودي مرةً بأنه “لا يهدف إلى إجابة حاجات السوق، بل -على العكس- إلى إيجاد حاجات في السوق”.
ولئن برزت الحاجات التي يصنعها السوق في أمثلة مادية وفكرية وثقافية كثيرة، فإن البيع والشراء للشعر يمثلان ذروة قصوى من التشييء للإنسان، والتحويل لأحد منتجاته الأكثر دلالة على الحرية والإنسانية والوفاء بمعاني القيمة والكينونة إلى شيء للتملك والكراء والمقايضة!
لقد اندرجت مهنة شاعر ضمن أكثر من ثلاثة آلاف مهنة في دليل التصنيف والتوصيف المهني السعودي. وهي تأتي –بحسب ما يقوله مدير المركز الإعلامي لوزارة العمل تيسير المفرج- ضمن المهن التي تعترف بها وزارة العمل، أي تسمح بالاستقدام من الخارج عليها. فالوزارة بموجب قرار مجلس الوزراء –فيما يضيف- قصرت 19 مهنة فقط على السعوديين، ليس من بينها مهنة “شاعر”. أما من تستقدم الشاعر، فهي –يقول- كثير من المنشآت ذات العلاقة بالإنتاج الفني، إذ لديها مثل هذه الوظائف، بهذه المسميات، نظراً لطبيعة عملها ومنتجاتها.
وسنحتار –طبعاً- في اكتناه حاجة هذه المنشآت للشعر، مثلما نحتار في معرفة مجال نشاطها الفني والشعر الذي تشتريه، لكننا لن نحتار في التشكك حول هوية هذا النشاط الفني الذي تستقدم لتأليفه وإنتاجه مواهب شعرية من الخارج!.
إن وزارة العمل –بذلك- تسهم في تعطيل تنمية النشاط الفني والثقافي المحلي لأنها تدعم صيغته التجارية وغرضه الاستهلاكي فيأتي استقدام الشاعر من الخارج ضمن المنظور الاقتصادي الأوفر والأطوع للمنشآت. ولم يعدم مجتمعنا المحلي الشعراء، بل إن كثرة أنماط منهم دليل على معاناة البطالة وتقضية الوقت في تنضيد الكلمات والهيام بكهربة التماس بين شحناتها وأشجان التوقيع لأصواتها!
ما زالت البطالة توالي ارتفاعها في المجتمع السعودي، وفي الوقت الذي تداول المعلقون ساخرين –هذا الأسبوع- سماح وزارة العمل باستقدام الشعراء من الخارج، كان مجلس الشورى يستمع إلى حديث أحد أعضائه عن ارتفاع أعداد الوافدين 12% عن العام الماضي، وزيادة عدد العاطلين 3.3% عن العام الماضي (قرابة 622 ألفا).
ومعنى ذلك أن جهد وزارة العمل في السعودة ليس كافياً، وأن خطتها بلا أثر في الحد من الاستقدام وزيادة توطين الوظائف. وليس قصر الوظائف التي لا يجوز الاستقدام عليها على 19 وظيفة، وزيادة المهن على قائمة الاستقدام على ثلاثة آلاف بما فيها وظائف الشعراء وأمثالهم، إلا دليل على اعتماد الوزارة في هذا التصنيف على معايير ليس منها توافر كوادر المهنة محلياً وضآلة الحاجة إلى الاستقدام عليها.
لنقل بصريح العبارة إن على الوزارة أن تفرض سعودة عديد من المهن بزيادة قائمة ما يقتصر التوظيف فيه على السعوديين.
استقدام الشعراء من الخارج!
صالح زياد3 دقائق للقراءة

حجم الخط
