لست بصدد الحديث عن أهمية هذه الشعيرة العظيمة، وقد عدّها بعض علماء الإسلام ركنا من أركان الدين، وبلاد الحرمين تميزت وانفردت عن جميع بقاع العالم بإيجاد هيئة مستقلة بمسمى «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، فكان لها الدور البارز في النأي بهذا المجتمع عن كل ما يشوب صفاءه، ويعكر نقاءه، وتحقق ذلك بفضل الله ثم بجهود رجال أخذوا على عاتقهم الوقوف أمام كل من تسول له نفسه العبث أو محاولة اختراق سفينة هذا المجتمع الطاهر.
العجيب أن البعض عندما يهاجم الهيئة يجهل أو يتجاهل ما تقوم به، وأجزم يقينا أنه لو كان لديه شيء من الإنصاف لما أقدم على كتابة كلمات ربما يتجرع مرارتها ويتذوق طعم حسرتها في يوم لا ينفع فيه الندم.
ومن آخر ذلك ما نشر يوم الأحد الماضي لكاتبة في إحدى الصحف المحلية تطالب بعقوبة أشد مما وقع لأعضاء الهيئة الذين حاولوا منع الرجل البريطاني من المحاسبة في قسم النساء، وفي ذات التوقيت خبر منشور يفيد بتخليص رجال الهيئة لست فتيات تعرضن لمحاولة ابتزاز!ومن العجيب أنه نشر قبلها بيوم خبر يفيد بالقبض على عشرة أشخاص من جنسية أوربية وعربية بحفلة ماجنة في الرياض، وأنهم كانوا في حالة سكر.
ومع لغة الأرقام، فإن الهيئة تلجم كل من يتشدق ويحاول النيل من مكانتها، فما تحققه الهيئة من إنجازات لا ينكر أحد فضلها وعظيم قدرها، وأهميتها للمجتمع المسلم، وحتى أولئك الذين رصدوا الأخطاء والتجاوزات (وهذا يقع من كل أحد ولم يقل أحد بعصمة أحد من البشر سوى الأنبياء عليهم السلام) فإنهم لم يفلحوا في الانتقاص من الإنجازات، وكانت لا تمثل شيئا يذكر (خمسة وتسعين في كل مائة ألف) أي أقل من واحد في الألف.
أما القضية التي فجرها الإعلام، وبالغ في تضخيمها، فهي مؤسفة بكل ما تعنيه الكلمة، والتعامل معها كان مؤلما أيضا؛ فالبيان كان يحوي تفصيلات لا داعي لذكرها مطلقا، بل يمكن أن تنعكس سلبا على العاملين في هذا الجهاز؛ كأن يوسموا بالكذب، وكان يكفي مع الاستعجال الذي صاحب البيان أن يكون مقتضبا يفيد بالخطأ المرتكب والعقوبة المترتبة عليه.
وقد تابع البعض مجريات هذه القضية ونشرت الصحف اعتراض من حُكم عليهم، وأن التحقيق كان من جانب واحد، وأيا كان الأمر ففي تصوري أن البيان لم يحالفه التوفيق، لا في جزئياته ولا في مقتضياته، ويبدو واضحا سمة التعجل في إصداره.
وفيما يتعلق بالعقوبة فقد نشرت هذه الصحيفة في عددها الصادر يوم الأحد الماضي بأنه إجراء غير نظامي، والتزم القائمون على تصدير ذلك البيان بالصمت المطبق حتى كتابة هذا المقال!وليت كلماتي تستطيع الإحاطة بما يقوم به رجال الهيئة الفضلاء من جهد وما يسطرونه من تاريخ مشرّف، ولكن يكفي من السوار ما أحاط بالمعصم، ومن ذلك:- مباشرة رجال الهيئة لأكثر من 370000 قضية ابتزاز، 92% منها عولجت بالمناصحة.
- إبطال 2221 عملا سحريا بعد تلقي الهيئة لأكثر من 5860 بلاغا عن أعمال سحر وشعوذة وكهانة.
- توصل الهيئة لأكثر من 205 مصانع خمور، وبلغ عدد المقبوض عليهم 377 شخصا جلهم من الوافدين، وفي غضون خمسة أشهر تم إتلاف 428301 لتر من الخمور (ولنا أن نتصور هذه الكمية لو تم توزيعها على أبناء وبنات هذا المجتمع الطاهر!)وهنا لا بد من الإشادة بتلك البطاقات التي تم تداولها في برامج الجوال ومواقع التواصل الاجتماعي ومنتديات الانترنت، فهي تتحدث بلغة الأرقام، ولا شك أنها أبلغ من الكلام، فهي تمثل رسائل موجزة، تحوي الأعمال التي قامت بها الهيئة، وأتمنى على القائمين عليها تحديثها بشكل دوري وتدوين التاريخ، لأني أجزم أن كل يوم يحمل في طياته منجزا جديدا لهؤلاء الفضلاء.
ولذا فإني أتمنى تفعيل الدور الإعلامي للهيئة من خلال الظهور في شتى الوسائل الإعلامية، بالتوجيه والإرشاد، وإبراز ما يتم إنجازه للجميع، وأتوقع حينها أن الأبواق الناعقة التي تتربص بالهيئة وتترصد الأخطاء التي ربما تقع من بعض أفرادها لتضخيمها وتهويلها، ستلجم تماما، فلغة الأرقام هي أصدق اللغات.
وختاما فإن الهيئة تقوم بشعيرة لها مكانتها ومنزلتها، وواجب المجتمع التعاون معها، والتكاتف مع رجالها، ليبقى مجتمعنا الطاهر رمزا للنقاء ومثالا للصفاء، وقد صدق وأيم الله من وصف هذه الشعيرة بـ»سفينة النجاة».