نؤمن جميعا بأهمية العلم والمعرفة في رفع مستوى الوعي لدى الأفراد والشعوب، ونسعد كثيرًا حينما نرى أفواج الخريجين الذين تقدمهم الجامعات والمؤسسات العلمية على اختلافها للوطن، ويزداد الفخر بمن كان من هؤلاء الخريجين على مستوى عال من الوعي والمسؤولية والتأهيل العلمي.
ويوجد حاليًّا العديد من أنماط التعليم الجامعي؛ فإضافة إلى الانتظام يوجد الانتساب والانتساب المطور والتعليم عن بعد، وقد شهدت الجامعات التي تقدم أنماط الانتساب والانتساب المطور والتعليم عن بعد إقبالاً شديدًا جدًّا من الراغبين في الدراسة، ونشطت في هذا المجال نشاطًا كبيرًا، وإن كان في غالبه كميًّا وعلى حساب الكيف، وأصبحت هذه الجامعات التي تتيح هذه الأنماط التعليمية تتسابق في توفير الخدمات للطلاب المنتسبين والطالبات المنتسبات، وتهيئ لهم سبل الراحة والجذب، كأداء الاختبارات في المناطق التي يقيمون بها، وإرسال ما يحتاجونه مما يتعلق بمستلزمات المقررات التي يدرسونها، وغير ذلك مما يندرج في هذا الإطار، كما أصبح هذا النمط التعليمي مصدر دخل إضافيًّا لهذه الجامعات، ولأعضاء هيئة التدريس بها، واستفادت الجامعات من الجانب المادي، كما استفاد أعضاء هيئة التدريس، واستفادت المقرات التي تعقد بها اختبارات المناطق كالفنادق ومقرات الجامعات الأخرى في المناطق التي تتم بها الاختبارات إلى غير ذلك، وكانت الخسارة في المخرج الأكاديمي الذي لا يلبي الطموح، وفي المقابل عزفت عن الانتساب وما شابهه من أنماط الدراسة جامعات توجد بها مقومات كبيرة وتخصصات يمكن الانتساب بها كجامعة الملك سعود مثلا.
ومع ما يوفره هذا النوع من الدراسة -إذا تم ضبطه على النحو الذي يضمن وجود جدية في الدراسة ومخرجات تكون على الأقل معقولة المستوى- من خدمة للطموحين والطموحات الذين لم تسعفهم ظروفهم للانتظام على مقاعد الدراسة، فإن الحقيقة أن عدة جامعات في مقدمتها جامعتا الملك عبدالعزيز والملك فيصل هرولتا في مجال «الانتساب» واندفعتا بشكل كبير يدعونا إلى أن نتساءل ويدعوها إلى مراجعة ذاتها، والذي يرصد وضع هؤلاء الطلاب المنتسبين يجد أغلبهم طيلة العام مشغولين بهمومهم المعيشية والوظيفية وتبدأ العلاقة مع المقررات التي يدرسونها قبيل الاختبارات بوقت يسير جدًّا، ومع كثرة الطلاب المنتسبين والطالبات في عدد من التخصصات وكونهم هم من يدفعون تكاليف الدراسة نشأ تقليد علمي سلبي يقوم من حيث الدراسة على نماذج مذكرات ورقية مختصرة جدًّا، ويعتمد من حيث التقويم على مجموعات من الأسئلة القائمة على الاختيار من متعدد والصح والخطأ، وقد يتخرج الطالب بمعدل تراكمي وهو في الحقيقة خلاف ذلك، ولا يدرك أبجديات تخصصه، وهو الأمر الذي يصيب القائمين على المؤسسات أو الإدارات بالذهول عند إجراء مقابلة شخصية مع أحد هؤلاء، حيث توجد فجوة كبيرة جدًّا بين ما تحمله هذه الأوراق من بيانات وبين حقيقة الشخص الذي يحملها.
وإلى ذلك تمت إتاحة فرص الانتساب للطلاب في مجالات كان ينبغي ألا تتاح بها وتخصصات تحتاج إلى جوانب عملية ورياضية وتطبيق عملي وهي أقرب ما تكون إلى التخصصات العلمية لا النظرية مثل تخصصات الإعلام وإدارة الأعمال وإدارة المستشفيات واللغة الإنجليزية وغيرها، وأصبح هؤلاء الخريجون يوجدون بجوار زملائهم المنتظمين في سوق العمل ويزاحمون المتقدمين لبرامج الدراسات العليا في الجامعات الآن.
ويفوق هذه المشكلة التي تكمن في وجود الكثير من الخريجين في هذه التخصصات وغيرها بنمط الانتساب وهم يحملون معدلات مرتفعة ويفقدون مقومات التخصصات والدرجات العلمية التي يحملونها، مشكلة أخرى تتمثل في نشوء شعور لدى هؤلاء بأن جميع الخريجين بنظام الانتظام والانتساب هم مثلهم في المستوى العلمي؛ إذ إنهم حصلوا على ما هو فوق استحقاقهم وبأيسر جهد، ولذا هم يقيسون الأمور جميعها على هذا النسق، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تسطيح التعليم والمساواة بين المميز والضعيف ولو من وجهة نظر هؤلاء فحسب.
إن وجود الانتساب ضروري ولكن استمراره في الجامعات بهذه الطريقة أمر يدعو إلى القلق والألم، وإن واجبنا أن نفرّق بين إتاحة الدراسة بنظام الانتساب مع الانضباط والالتزام بالمعايير الأكاديمية وما يمكن أن نسميه العبث العلمي الذي يحدث الآن، وحسنًا صنعت وزارة التربية والتعليم حين رأت أمور الانتساب تثير التساؤل حيث رفضت تعيين المتخرجين بهذا النمط من التعليم، وحتى يكون الأمر أكثر دقة وعدالة فإن وجود اختبارات دقيقة للتأكد من جودة مستوى الخريجين بنمط الانتساب والتعليم عن بعد هو أمر على قدر عال من الأهمية.