كم هو مفيد ومثمر للفلاح أن يقوم بحفظ وتخزين حبوب غلاته المختلفة بعد جنيها في صومعة واحدة، أو في مخازن متقاربة آمنة متينة، فهو عندها سيتمكن من حفظها من الأجواء القاسية، وحمايتها من عبث الحشرات والطيور، والإبقاء على قيمتها الغذائية ورطوبتها لأوقات طويلة.
وتخيلوا معي لو قام فلاح متكاسل بنثر نتاج الموسم من الحبوب على مساحات متباعدة من الأراضي، والجبال والأودية!.
فهل سيتمكن من مراقبتها ليل نهار، والمحافظة عليها، أم أنه سيدخل نفسه في جهد جهيد وهموم ومصاريف تتزايد، بغرض إبقاء الحبوب على حالها، ونقائها من الشوائب، وخلوها من الأمراض والأرضة، وكم من خيالات المآتة سيحتاج لصد اعتداء الطيور والحشرات عليها؟!.
ثم ماذا لو اجتاحتها الأمطار والسيول، أو اشتد القيظ وتقلصت الرطوبة؟.
هذه نظرية تبدو بديهية في مفهومها، ويكاد أن يعرفها الفلاح الصغير قبل الكبير، ولكنها واقعياً مغيبة عن الفكر السائد بين أمانات المدن، وبلديات القرى، والهجر في مملكتنا الغالية.
فتلك الجهات ودونما أي تخطيط قامت وتقوم بنثر المواطنين على مساحات هائلة من الأرض، فيعز عليها مراقبتهم طوال الوقت، ورعايتهم من أمطار أو جفاف، وتعجز عن تقديم الخدمات لهم، وحمايتهم من الطير!.
مدننا هائلة الاتساع الطولي والعرضي العشوائي، وتفرعت المدينة الواحدة لتنبثق عنها عدة مدن، وزادت مساحات البقع الجرداء بين الأحياء، وتفرعت الخرائط المجنونة، وهذا بحد ذاته يعتبر معضلة تخطيطية ستظل تؤرق أي أمانة أو بلدية أو أي مؤسسة حكومية أمنية أو خدمية، وللأسف إن الأمر مستمر لا يتوقف، فالمدن الكبرى تمتد إلى ما لا نهاية، والحبوب تعاني من قسوة الظروف.
والعجيب أن أغلب مسؤولي الدولة لا يملكون التبرير المنطقي لذلك، وأنهم ينتقدونه في جلساتهم الخاصة، فما السبب يا ترى، وكيف يتم ذلك دون وعي من القائمين على تخطيط المدن، ومن المنفذين؟!.
لقد سببنا في المدن الكبرى زحاما مروريا لا يمكن أن تحتويه خطط وزارة النقل المتأخرة عن مواعيدها بعقود.
وليست جميع أنواع الحبوب قادرة على الرحيل لمسافات طويلة للتداوي في الصوامع الكبرى، وللحصول على أبسط الخدمات، والواقع يؤكد تنامي المدن الكبرى بشكل سرطاني، وموت القرى والهجر بالجفاف لتقلص الخدمات فيها.
مدينة مثل الرياض تكاد أن تبتلع المدن المحيطة بها من جميع الجوانب، والتوسع مستمر، والخدمات تظل عزيزة.
مدن كبرى لو توقف ضخ مياه البحر المحلاة عنها لأصبحت أطرافها منازل للأشباح.
ولسان حال الأمانات يقول إن ذلك لا يهم، طالما أن الميزانيات ضخمة، فيستمر التمدد السطحي، والخوف أن يأتي يوم يبحث فيه الفلاح عن حبوبه، فيكتشف أن الطير قد أتى على كامل محصولها.
هذه نظرية فطرية عرفها الفلاح البدائي، ولكنا للأسف نتعامى عنها، ونعاند كل الظروف، وحينما يحين وقت الطحن، ترتفع أصوات قرع مطاحننا على هباء.