بعد كوراث جدة وتبوك ومكة والرياض.. إلخ، الكوارث التي سيعنونها التاريخ بأسوأ عنوان ممكن، لا أحد يعرف ماذا يخبئ لنا سوء إدارة المدن واستنزاف ميزانيات الحضارة ومتطلبات الحياة البشرية وضروراتها فيما يشبه أفواه الحيتان.
هذه الضرورات التي طالب فيها مئات المواطنين وتجاهلتها عشرات الإدارات ومسؤولوها وكأن ما يهم المواطن ويتم الحديث عنه كتابياً وشفهياً وعشرات الحوادث اليومية والصرخات والموتى، كلها لا تعني أن هناك ما يحدث ضد من يحيا وعليه أن يفعل ذلك بكرامة وشرف.
راجعت عشرات المقالات التي كتبت عن «المدن» وخرجت بعدها مثل أي مواطن.. إلى الشارع.
كل هذه العربات والناس يذهبون إلى أين؟ كان الطريق الرئيسي مصاب بالدوران من أثر الناس و.. مغلق!
يومياً هذا الطريق مغلق، بالرغم من أن الإدارة الهندسية لا أعرف لأي جهة، تنازلت عن الكتف في الطريق ذي الأربع مسارات، المخصص للحالات الإسعافية، تنازلت عنه لتوسّع على المؤمنين في أسوأ سعة ممكنة، حيث أصبح وصول سيارات المرور أو الإسعاف إلى الحادث يتطلب أن يزحزح المسعفون ورجال المرور السيارات بـ»الدفّ»!
في حالات كهذه أحاول في لحظات التوقف الدائمة أن أحسب بنصف مخّ قادر على الانتظار والعمل، نسبة العمالة الوافدة إلى نسبة المواطنين، ودائماً أخرج بنتيجة أُفضِّل بعدها السكوت لكي لا أحرج موقفي أمام الله فيما يخص العمل بالتحديد.
كل هذه العمالة مقابلنا؟ ماذا يفعلون بالضبط، هل يعملون حسب الاحتياج الفعلي لنفس المهن المستقدمين عليها فعلاً؟
وأعود لأتذكر المقبوض عليهم، والذين يحرسون الأرصفة والمقاولين وباعة التجوال والمهربين والقتلة والأسواق الشعبية في أوساط المدن!
هذا ما تفعله حالات الانتظار «حسبي الله ونعم الوكيل»، طيب وإلى أين ستذهب فيما بعد؟
كنت أفكّر بالأودية، وتذكّرت أنني أسكن في حيّ يسمى باسم «الوادي» وخفت من الله!
هل أبيع بيتي وأنا المؤمن بالقضاء والقدَر خيره وشرّه؟ أم أعقلها وأتوكّل، أعقلها في الوادي؟
لماذا لا أعقلها في مكان آخر، ما دامت كل الظروف هيأها المستفيدون ليمتصوا دماء الناس، وبالتالي فإن انتقالي سيستفيد منه من وسّع الرقعة ليبيع عليّ أرضاً لا تساوي نصف قشرة بيضة مقابل مدخرات العمر، مضافاً إليها ركام من الفوائد المركبة لقروض البنوك؟
هل كتبنا عن القروض والفوائد من قبل؟
عن البنوك التي تعادل أرباحها ربع السنوية ميزانية عشر دول انتهت كلها من تصريف سيولها؟
عن الصحة والتربية والتعليم والبلديات والخدمة المدنية والمرور والأحوال المدنية، عن البطالة والوظائف والتدريب وسوق العمل، عن الجوازات والسفر والمطارات والأجنحة؟
عن أثواب أطفالنا المخضبة بالوحل والطين وهم يعبرون؟
عن التجّار والسلع المقلدة والمنتهية وأسواق الاتجار والبيع المعلّب، عن التولّي يوم الزحف، عن المناهج ورقاب النّاس، عن الحوار والصراعات والكَدمات والمتسولين والنباتات والشوارع؟
لماذا؟
لماذا يكتب النّاس والأصدقاء والأهل عن كل ذلك، لو سألت مسؤولاً يجلس على تل من القرارات التي لا تُصرَف إلا في حسابات قراراته الإدارية الخاصة والمنتفعين منها واللجان ومستشاريها ولجان اللجان لأجابك بأن ليس لدينا سوى الشكوى وعدم التقدير لما يقدمه هو ومعاونوه لنا، يعني شكوانا نحن!
أما لو سألت المواطن قبل أن يفتّش في أدراج رأسه عن ماذا يريد هذا المسؤول غير تزوير الحقيقة وملء تقارير إنجازاته بالأرقام المموهة، فسيقول اللهم ارحمنا برحمتك قبل أن يملّ من الانتظار.
حين مللت أخذت طريق العودة وتوقف هو الآخر المصاب بالدوران، وتذكّرت أن عدد اليوم من إحدى الصحف نشر تقريراً عن الحي الذي أسكنه بأنه تم إنجاز المشروع باختصار المدة بنسبة 74%، وتذكّرت في طريق العودة أن الشارع الذي أسكن فيه لا يزال مسدوداً بالحفريات، قلت ربما لم يدخل الشارع في حسابات المسؤول أو أنني كمواطن رقم هامشي لا ينفع في تقارير الإنجازات، رقم أقل أهمية بكثير من عدد الخرسانات والمياه المهدرة والتعب، أقل حتى من دورة «كيف تعدّ جدولاً بملف إكسل»!