توجه الكاتبة أرونداتي روي في كتابها الجديد «الرأسمالية: قصة شبح»، نقدا قاسيا إلى حد ما للرأسمالية، ولكن هذا النقد قد يكون سبيلا لتطوير الرأسمالية وصولا للموضوعية وتصحيح الرؤية على الدوام، وهو ما يحافظ على الرأسمالية والعالم من مسالب الرأسمالية نفسها، ويصحح مسارها ويجدد شبابها باستمرار.
في أوائل القرن العشرين بدأ العمل الخيري للشركات في الولايات المتحدة ليحل محل النشاط التبشيري، ومن ثم سنت القوانين والتشريعات المؤسسية المنظمة للرأسمالية، والتي فتحت الطريق على مصراعيه أمام (الإمبريالية – الاستعمار) في العالم.
وتعتبر مؤسسة «كارينجي» من أوائل المؤسسات المانحة والداعمة في الولايات المتحدة، فقد وهبت أرباح شركة الحديد والصلب في عام 1911 لتمويل جامعة «كارينجي»، كما وهبت مؤسسة «روكفلر» في عام 1914 أموالا طائلة لهذا الغرض أيضا.
ومعروف أن جون روكفلر هو مؤسس شركة «ستاندر أويل» و»تاتس» و»جيه دي» و»أمبنيس» وغيرها من الشركات الكبرى في مجال الفندقة.
وأهم المؤسسات الدولية التي دعمها ماليا روكفلر – وهو لقب أشهر العائلات الثرية في الولايات المتحدة - هي منظمة الأمم المتحدة، ومتحف نيويورك، أكبر متاحف الفن الحديث، ومجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، فضلا عن مركز روكفلر في نيويورك الذي بني عام 1939 ، حيث يقع في وسط حي مانهاتن وأصبح معلما وطنيا منذ عام 1987، وهو المبنى الأكبر من نوعه في العالم (مجمع من 19 برجا تجاريا على مساحة 22 فدانا) ويرمز لنمط الفن المعماري الحديث الذي يمتزج بالقوة الرأسمالية.
أول ملياردير
كان روكفلر – حسب أرونداتي – أول وأكبر ملياردير في العالم، مؤيدا للرئيس الأمريكي إبرهام لينكلون، حيث اعتبر أن الله منحه هذا المال ليس للإسراف على المتع والمحرمات والملذات، وإنما من أجل رسالة معينة «خيرة» يريده أن يوصلها.
وقد أثارت المؤسسات التجارية في أول ظهورها جدلا حادا في الولايات المتحدة حول مصادر تمويلها وأهدافها وشرعيتها القانونية وحدود المساءلة، وجادل البعض حول نقطة شديدة الأهمية (تمثل مفتاحا مهما لفهم المسار التاريخي وأهداف التمويل اللاحق لهذه الشركات الرأسمالية الكبرى)..فإذا كانت هذه الشركات تمتلك أموالا ضخمة وفائضا كبيرا – إلى حد أنها تتبرع به – فلماذا لا ترفع هذه الشركات أجور العمال المتدنية؟وهو – بالمناسبة – نفس السؤال المطروح وبإلحاح على بساط النقاش حول الشركات الرأسمالية المتعددة الجنسيات والعابرة للقوميات، ناهيك عن كتابته في معظم لافتات وشعارات المظاهرات المناهضة في وول ستريت حتى اليوم وغدا.
تمويل السلطة
واللافت للنظر أن هذه الأموال الممنوحة من قبل الشركات الرأسمالية للمؤسسات والمنظمات الكبرى معفاة من الضرائب بالفعل وبموجب القانون نفسه، كما يتم غض الطرف عن المساءلة القانونية لمصادرها أو قل إنها لا تخضع لهذه المساءلة من الأساس، ومن ثم أصبحت القاعدة هي أن أفضل طريقة للاستثمار الاقتصادي للشركات الكبرى هي الاستثمار في رأس المال السياسي بالمعنى الواسع للكلمة، أي الاستثمار الاجتماعي والثقافي عن طريق تمويل السلطة!وهذا ما تطور بمرور الوقت وأصبح أحد أهم ركائز الفلسفة الرأسمالية: استخدام نسبة ضئيلة من الأرباح لإدارة العالم سياسيا واجتماعيا وثقافيا، والمثال الأبرز اليوم هو بيل جيتس الذي أصبح محور اهتمام جميع حكومات العالم في شؤون التعليم والصحة والزراعة والسياسة..وليس حكومة الولايات المتحدة فقط.
الحوكمة العالمية
على مر السنين تلاشى تماما الأثر السيئ للرأسمالية مع تطور أسلوبها وآلياتها، ومن ثم هيمنت تقريبا علي الأعمال الجيدة والمفيدة للمجتمعات، مثل التمويل والإنفاق على المكتبات العامة والمراكز الطبية الكبرى من أجل القضاء على الأمراض وابتكار الأدوية ووسائل العلاج اللازمة للأمراض الفتاكة، إلى درجة أنه حتى تيار اليسار المعادي للرأسمالية، أصبح يقبل عن طيب خاطر الهبات الخاصة من الشركات الرأسمالية!كان تركيز الرأسمالية الأمريكية منذ نشأتها منصبا على البحث عن المواد الخام والمصادر الطبيعية خارج حدود الولايات المتحدة وفتح الأسواق الخارجية، لذا كانت الحاجة ضرورية في عام 1920 لتأسيس وصياغة فكرة «الحكومة العالمية»، أو ما يعرف كنوع من التلطيف بـ «الحوكمة العالمية».
وفي عام 1924 تعاون كل من كارينجي وروكفلور لابتكار مؤسسات عالمية في مجال السياسة الخارجية يعهد إليها تحقيق هذا الهدف، أي «الحوكمة العالمية».
وهنا بالتحديد ولد مركز العلاقات الخارجية الأمريكية الأكثر نفوذا في الولايات المتحدة، وهو أكبر جماعة ضغط سياسي في العالم، حيث انضمت مؤسسة «فورد» لاحقا لكارينجي وروكفلور في تمويل المركز.
وبحلول عام 1947 قبلت وكالة المخابرات المركزية العمل بشكل وثيق مع مركز العلاقات الخارجية، وشملت في عضويتها 22 عضوا من أمناء اللجنة التوجيهية في مجال العلاقات الخارجية، حيث اشترى خمسة من هؤلاء الأعضاء في مؤسسة روكفلور الأرض التي أقيم عليها المقر الدائم للأمم المتحدة مع منحة تصل إلى 850 مليون دولار أمريكي.
لقد صار من الأمور المسلم بها منذ إنشاء البنك الدولي عام 1946 أن يشغل منصب الرئاسة أحد أعضاء مجلس أمناء مؤسسة روكفلر بالإضافة إلى منصب نائب الرئيس..الاستثناء الوحيد كان اسم جورج وودز، وهو من بنك تشيس مانهاتن في بريتون وودز!
السيطرة على السياسة بالقانون
أهم قرار اتخذه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن الدولار الأمريكي يجب أن يظل العملة الاحتياطية الأولى في العالم، ولتعزيز تغلغل رأس المال العالمي سيكون من الضروري تعميم وتوحيد الممارسات التجارية في الأسواق العالمية المفتوحة.
ولن يتحقق هذا الهدف إلا بتأكيد مفهوم «الحكم الرشيد» على جميع دول العالم بلا استثناء ومراقبة ذلك جيدا.
وخلاصة، الحكم الرشيد هو السيطرة على مفاصل السياسة عبر السيطرة على القوانين أي أن يكون للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي رأي فيما يسن من قوانين محلية مع وضع قائمة من البرامج لكيفية الإنفاق ومحاربة الفساد والشفافية والمساءلة في الحكومات الأكثر فقرا.
وهكذا أصبح البنك الدولي يوجه السياسات الاقتصادية في العالم ويرغمه على الانصياع لآليات السوق والتمويل العالمي، ما يعني أن فكرة (العمل الخيري) التي بدأت منها الرأسمالية الأمريكية في بداية القرن العشرين تحولت على مر العصور إلى الهيمنة على مصائر العالم وشعوبه والتحكم في مستقبله كقطع الشطرنج على طاولة من المربعات المرسومة مسبقا.
من هي روي؟
وزانا أرونداتي روي (من مواليد 24 نوفمبر1961)، وهي كاتبة هندية (باللغة الإنجليزية) وناشطة.
فازت بجائزة بوكر عام1997 عن روايتها «إله الأشياء الصغيرة».
في عام 2002 فازت بجائزة Lannan لحرية الثقافة.
كما أنها أيضا كاتبة لاثنين من السيناريوهات وعدد من مجموعات من المقالات.
ومعروف جيدا عن روي أنها ناشطة للعدالة الاجتماعية والاقتصادية.
- الكتاب: Capitalism: A Ghost Story الرأسمالية: قصة شبح
- المؤلف: Arundhati Roy أرونداتي روي
- دار النشر: هايماركت الإصدار: مايو 2014 في 125 صفحة

