(العطاء النبيل حقا هو ذلك الذي لا يُريق ماء وجوه المُحتاجين للعطاء).
في شارع قاهري مزدحم بكتل بشرية متدافعة، استوقفني طفل لا يتجاوز العاشرة من عمره، ومد لي سلة تبدو ثقيلة بالنسبة لحجمه الضئيل، مغطاة بمفرش قديم ولكنه نظيف وناصع البياض، وهمس بلهجة سورية تبدو لافتة للانتباه وسط صخب العاصمة المصرية: حلويات سورية يا عمو..؟
ابتسمت لوجهه الطفولي البريء، ولخجله الذي لم يمنعه من كشف غطاء السلة، ليسيل لعابي لمرأى البرازق والبقلاوة والهريسة مصفوفة بنظام أخاذ، وتلتمع بالعسل الصافي الشهي..
لكن فضولي كان أقوى من شهيتي، فسألته أولا عن تصاريف الأقدار التي انتهت به إلى بيع الحلويات في شوارع القاهرة، فشرع في الكلام بسرعة وإيجاز، وكأنه لا يريد ما يلهيه عن بيع ما في سلته، لكنني قاطعته مطمئنا إياه بأنني سأشتري منه كل ما في السلة، إن هو حكى لي حكايته.
اسمه أكثم، مولود في حمص، طالب في إحدى مدارسها الابتدائية، وكان له فيها أهل وأصحاب، لكنه فقد حياته كلها ذات يوم منذ عامين، حين هدم القصف بيته على رؤوس أهله جميعا، ولم ينج منهم غيره..
تشرد أياما قرب أطلال بيته، وأوشك على الموت جوعا، لكن عمه التقطه في النهاية، وضمه إلى عياله، وسافر به وبهم متسللا إلى لبنان، ومن هناك، سافروا مرة أخرى إلى القاهرة، حيث يعيشون جميعا في غرفة واحدة، في شقة صديق قديم للعم، وهو سوري استوطن القاهرة منذ عشرين عاما، لا يملك رزقا واسعا يعول به ضيوفه، لكنه يملك متسعا من القلب لاستضافتهم مجانا في بيته، وكان على الجميع أن يعملوا ليتمكنوا من النجاة في المدينة الكبيرة التي لا ترحم الفقراء، سواء كانوا من أهلها أو من الغرباء، زوجة العم تعمل ليلها كله في إعداد الحلويات السورية، وباقي أفراد الأسرة، وأكثم من بينهم، يملؤون سلالهم بما أعدته زوجة العم، وينطلقون منذ الصباح الباكر، ليجوبوا شوارع القاهرة، عارضين بضاعتهم الحلوة على المارة..
- وبترزق يا عمو، ما فيه حدا بيبات من غير عشا في مصر، مو هيك؟
- هيك يا ابني الحبيب، هيك!
دفعت له الثمن الذي طلبه بصوته الخجول الخفيض، وأخذت منه السلة، لأوزع حلواها على أهلي وأصدقائي ومعارفي، موصيا كل واحد منهم، بألا يتردد في الشراء من هذا الطفل الرائع الذي ظلمه الزمن العربي الجبان، لو حدث أنه استوقف أحدهم هامسا: حلويات سورية يا عمو!
أكثم واحد من 100 ألف سوري لجؤوا إلى مصر خلال السنوات الثلاث الماضية التي شهدت دمارا واسع النطاق في المدن السورية، دفع أهلها للفرار بأرواحهم منها، هربا من وحشية النظام، ومن وحشية الإرهابيين المتطرفين في الوقت ذاته..
ومن سوء الحظ أن مصر نفسها مرت خلال تلك السنوات بأسوأ اضطرابات شهدتها في تاريخها المعاصر، وبأزمة اقتصادية خانقة، زادت أهلها فقرا على فقرهم، فصارت أياديهم مغلولة أو تكاد عما تعودوه من احتضان كل من يلوذ بهم من أهاليهم العرب، فلم يعد أمام السوريين في مصر إلا أن يناضلوا مثلما يناضل إخوانهم المصريون يوما بيوم في سبيل الرزق الشحيح، فانتشروا بأفكارهم العملية المبدعة في كل مكان، وما فكرة تسويق الحلويات السورية اللذيذة في شوارع المحروسة إلا مثال واحد من بين عشرات الأمثلة التي عرفتها بنفسي، أو نقلها لي أصدقائي، والتي تؤكد القدرة الهائلة على الابتكار، وتضيء مصابيح الأمل في النفوس التي يروعها التدهور الذي بلغه حال أهلنا السوريين، الذين طالما استضافوا اللاجئين العرب في بيوتهم، وليس في مخيمات أو معسكرات تحيطها الأسلاك الشائكة، فإذا بهم الآن في الملاجئ والمنافي، يبحثون عن لقمة عيش تضمن لهم البقاء ليوم إضافي، إذ ربما يكون هذا اليوم هو يوم العودة السعيدة للوطن.
ما أريده الآن منكم جميعا، هو ألا تترددوا لحظة واحدة في شراء أي سلعة سورية تُعرض عليكم، وخصوصا حينما يعرضها عليكم طفل سوري، ربما يكون قد فقد أباه وأمه وأشقاءه جميعا، لكنه لم يفقد الأمل.
حلويات سورية يا عمو!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
