كما كان متوقعا، وضعت قمة دول حلف الناتو، التي عقدت في مقاطعة ويلز البريطانية بين 4 - 5 سبتمبر الحالي، الأزمة الأوكرانية مع روسيا والخطر المتصاعد الذي يمثله الجهاديون المتطرفون في الشرق الأوسط في أعلى سلم الأولويات الفورية للحلف. وقد اتخذ قادة دول الناتو المشاركون في القمة قرارين مهمين.
القرار الأول يتعلق بقرار حلف الناتو إنشاء قوة تدخل سريع جديدة والحفاظ على وجود عسكري في أوروبا الشرقية في تحد واضح لنوايا روسيا بتوسيع تدخلها في الشؤون الداخلية الأوكرانية وتهديد سيادة أراضي هذا البلد ووحدته السياسية. تركيا أيدت هذا القرار وتعهد الرئيس التركي الجديد رجب طيب إردوغان في خطابه أمام قادة حلف الناتو بألا يوافق على ضم روسيا لمنطقة شبه جزيرة القرم، وذلك حسبما نقلت وكالة أنباء الأناضول.
التطور المهم الثاني كان دعوة الولايات المتحدة الأمريكية حلفاءها الغربيين إلى الاتحاد في تحالف يهدف إلى تدمير تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، حيث إن التهديد الذي يمثله هذا التنظيم الذي يضم أخطر المتشددين الإسلاميين في العالم يتصاعد يوما بعد يوم. الدعوة صدرت عن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في اجتماع مع وزراء الخارجية والدفاع لكل من بريطانيا وكندا والدانمارك وفرنسا وإيطاليا وبولونيا وتركيا، بالإضافة إلى وزيري الخارجية والدفاع من أستراليا التي ليست عضوة في الحلف.
الاجتماع الأول للتحالف المعادي لتنظيم داعش وضع الخط الأحمر الأول بأنه لن تكون هناك قوات عسكرية من الحلف على الأرض، أي أنه لن يكون هناك بلد يؤيد إرسال قوات برية إلى أي من العراق أو سوريا. وزير الخارجية الأمريكي اقترح أن يقوم الشركاء في الحلف بتوفير التدريب والإرشاد والمساعدة والتسليح، وتم الطلب من كل دولة توضيح المساهمة التي يمكن أن تقدمها قبل اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر سبتمبر الحالي.
ومع أن واشنطن لا تزال تعمل على إنهاء استراتيجية محددة ضد تنظيم داعش، إلا أن جون كيري ألمح إلى أن هذه الاستراتيجية سيكون له مقاربة ذات نهج شامل، أي أننا “يجب أن نهاجمهم بأساليب تمنعهم من الاستيلاء على أراض، وتدعم قوات الأمن العراقية والقوى الأخرى في المنطقة المستعدة لمواجهة هذا التنظيم، دون أن يشارك جنودنا” على الأرض بشكل فعلي.
المقاربة الشمولية هي أيضا شيء اختارت تركيا تبنيه في قتال تنظيم داعش، وذلك كما جاء في خطاب الرئيس التركي أمام قادة حلف الناتو في 4 سبتمبر الذي نقلته وكالة أنباء الأناضول. كانت الرسالة الأولى التي بعثها إردوغان أنه “في المقاربة الشمولية، يجب اتخاذ خطوات حاسمة ضد البيئة العنيفة في العراق وسوريا التي تهدد الأمن والاستقرار الإقليميين. ثانيا، شدد إردوغان على “أهمية وضع استراتيجية شاملة ضد المنظمات الإرهابية التي استفادت من الوضع الفوضوي الناتج من عدم القيام بأي عمل (من قبل المجتمع الدولي)”.
الرئيس التركي يتحدث أيضا عن الحاجة إلى مقاربة شمولية واستراتيجية شاملة ضد تنظيم داعش، لكنه يدعي أن المشكلة الحالية ناتجة عن الاضطرابات في سوريا ووحشية بشار الأسد. لذلك ألمح إردوغان إلى ضرورة وضع استراتيجية تتعامل مع هذه المشكلة.
دعت الولايات المتحدة لتشكيل تحالف جديد، وعلينا أن ننتظر بضعة أيام أخرى للحصول على تفاصيل عن المحادثة التي دارت بين الرئيس التركي إردوغان والرئيس الأمريكي أوباما على هامش قمة الناتو. لذلك سنحتاج إلى وقت أطول لرؤية ردة فعل تركيا على هذا القرار بصورة أوضح. لكن وجود 49 مواطنا تركيا رهائن لدى تنظيم داعش منذ 11 يونيو يقيد أيادي تركيا في القيام بأي عمل بشكل فعلي على الأرض. تركيا على الأرجح لن تقوم بحشد قواتها العسكرية ضد تنظيم داعش وسوف تتردد في فتح قواعدها ومنشآتها العسكرية ومجالها الجوي لدول أعضاء في التحالف. لكنها ستستمر في زيادة تعاونها الاستخباراتي مع الدول الغربية وفي جعل محاولات تنظيم داعش تجنيد مزيد من المتطوعين أكثر صعوبة.
لهذا إن الدور الذي يمكن أن تلعبه تركيا في التحالف ضد تنظيم داعش يبدو محدودا جدا. بعد اجتماع أوباما وإردوغان، فإن زيارة وزير الدفاع الأمريكي تشوك هاجل إلى العاصمة التركية مهمة أيضا قبل أن تستطيع تركيا أن تصل إلى النتيجة النهائية حول مدى استعداد المجتمع الدولي لمكافحة تنظيم داعش المتشدد.