عندما تتحول قوة إمبريالية بطموحات إمبراطورية كونية إلى كيان مجسد لمبدأ الخير الكوني، وإلى أذن تلقّت رسالة إنقاذ من الله مباشرة، كما تقوم به الجماعات الإرهابية والكيانات العالمية تحت أي مسمى، فإن المفكر الذي يريد أن يفهم أولاً ويتمثل آليات هذه الأكذوبة سيجد نفسه يطرح الأسئلة النيتشوية القلقة المقلقة والمشاغبة.
إن الأمر لا يتعلق هنا بالبحث عن سند نظري لمطلب البشرية للعيش ضمن قيم عليا ضمن سلام دائم شامل ومطلق، بل يتعلق الأمر بالبحث عن مرتكز فكري لمراجعة وتدقيق مبدأ «إرادة القوة»، لا بمعنى النزوع للعنف وإلى التسلط كما يذهب إلى ذلك التأويل السطحي، بل كقانون طبيعي مداخل لمبدأ الحياة نفسه، المبدأ القائم على الحركة والتناقض والتقاتل والتجاوز والتغيير. إنه مبدأ إرادة القوة الذي يحرك الحياة، أو كما يقول نيتشه «حينما تكون هناك حياة فقط، تكون هناك أيضاً إرادة».
القيم الإنسانية التي بعثرتها الحربان العالميتان قد اكتشفت نيتشه من جديد، وها هو ذلك الحلم الذي راوده مثل يوتوبيا: أن يشهد العالم في يوم ما اهتماماً بفكره وأن تنشأ كراسي محاضرات جامعية حول زرادشت، ها هو يتحقق على نطاق واسع، في فرنسا وأمريكا أولاً ثم في ألمانيا وهولندا واليابان، وفي البلاد العربية أيضا.
لم لا؟ وهناك اليوم كراسي محاضرات جامعية حول زرادشت، بل وهناك أيضاً مجلات علمية مختصة، مثل مجلة «الدراسات النيتشوية» بألمانيا، ومجموعات بحوث مثل مجموعة جامعة نايميخن بهولندا التي تنكب حالياً على تأليف معجم «القاموس النيتشوي».
بعد أكثر من مائة سنة ما زال «الممسكون بالحقيقة» الرسمية يرفعون ثنائية الخير والشر في صيغتها الحديثة بمصطلح «محور الشر»، الذي أتى في بداية هذا القرن ملمعاً ببريق الحداثة والديموقراطية والحرية والليبرالية. لقد عاد نيتشه لتتجسد نبوءته عن «محور الشر» وثنائية الخير والشر في أقوى صورها.