ودع اليمنيون 2014 بقلوب منكسرة، وجراح مفتوحة لم تندمل بعد، أحداثا ستظل في ذاكرة الأجيال، وستبقى آثارها تفرز أوجاعا جديدة تزيد من معاناة شعب طحنه الفقر والجوع والاقتتال والأزمات المتلاحقة.
لم يمر 2014 في اليمن مرورا عاديا، عزى فيه الشعب هيبة الدولة التي سقطت بأيدي الحوثيين بعد أن جرى بيعها في مزاد الولاءات الشخصية والقبلية، وذبحت فيه المؤسسة العسكرية والأمنية بسكاكين مليشيات الحوثي ومفخخات القاعدة، في مشهد تراجيدي ستكون له تبعات عميقة الأثر في السنوات المقبلة.
سلطة الأمر الواقع
يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء الخبير بالحكم الرشيد، الدكتور عادل معزب في حديث لـ»مكة» أن اليمنيين يودعون 2014 بانهيار الدولة اليمنية ومؤسساتها العسكرية والمدنية وفرض سلطة الأمر الواقع من قبل جماعة الحوثيين، نتيجة مناكفات الأحزاب والقوى السياسية، بما فيها النظام السابق الذي انتقم من خصومه الداعمين لثورة 2011 بتحالفه مع جماعة «أنصار الله» الحوثية عبر تسهيل وصولهم من صعدة لصنعاء، فضلا عن خيانة عدد من قادة الجيش.
وأضاف سيكون 2015 عام الحراك السياسي في حال تحركت الأحزاب والقوى السياسية والمدنية بعمل منظم ربما يسمح بالعودة إلى ما قبل 2014، ولا يتأتى ذلك إلا بمصالحة وطنية شاملة وإعادة هيبة الدولة والجيش، وذلك إذا نهجت هذه القوى نهج الحوثيين حاليا في مكافحة الفساد، وهو ما افتقده النظام السابق ونظام ما بعد ثورة فبراير.
ومكافحة الفساد، كما يعتقد معزب، تعد من إيجابيات الحوثيين، أما اقتحامهم منازل المواطنين، والتمترس في محافظات مثل إب وتعز والحديدة، فهي من سلبياتهم.
انقلاب على المخرجات
بعد العملية الانتقالية المدعومة دوليًا في اليمن ووُصفت بأنها قصة نجاح بين انتفاضات ما سمي بالربيع العربي، بدأ عام 2014 بتفاؤل شعبي لوضع اللمسات الأخيرة على يمن جديد، عبر مخرجات الحوار اليمني الشامل.
ولكن في يوم 21 يناير الذي انتهى فيه المؤتمر، بدأت خيوط الأزمة تنسج وتتلاحق حتى انتهى العام بانقلاب على كل مخرجات مؤتمر الحوار من قبل جماعة الحوثي المسلحة، وتهاوى الوضع العام بحرب مذهبية بين سنة سلفية ممثلة في أتباع معهد دماج بصعدة، وشيعة ممثلة بجماعة الحوثي، لينتهى الأمر بفرز مذهبي وإخراج السلفيين من دماج بقوة السلاح وبرعاية ووساطة من الدولة.
محنة الإخوان
مهدت بعض الأحزاب السياسية، وعلى رأسها حزب التجمع اليمني للإصلاح «الإخوان المسلمون»، الطريق للحوثيين لكي يسيطروا على صنعاء، عبر محاور عديدة، أبرزها إقصاؤهم من السلطة والتفرد بحكومة الوفاق بعد مؤتمر الحوار الوطني.
وأيضا قتال أسرة آلِ الأحمر والجناح القبلي للإصلاح جماعات الحوثي في محاولة لجر الدولة إلى حرب ضد الجماعة.
لكن معاقل آل الأحمر سقطت في حوث والخمري أوائل فبراير الماضي، كما سقط اللواء 310 مدرع في منتصف مايو.
وفي 30 يونيو استغل الحوثيون إعلان الجرعة السعرية للمشتقات النفطية من قبل حكومة باسندوه، للزحف في أغسطس نحو صنعاء وحصارها لتسقط في 21 سبتمبر.
بؤر صراع جديدة
أدى نشاط جماعة الحوثي بإسقاط المحافظات دون مقاومة إلى خلق بؤر صراع جديدة وحالات ثأر قبلية عديدة فضلا عن قتال جماعة الحوثي لعناصر تنظيم القاعدة نيابة عن الدولة، كما حصل بمدينة رداع بالبيضاء وسط اليمن، والتي تحولت إلى جبهة استنزاف مستمرة للجماعة مع تنظيم القاعدة، وبعد سيطرة الحوثي على صنعاء 21 سبتمبر تحولت معركة القاعدة بصورة أساسية تجاه الحوثيين.
الحراك الجنوبي
وفي المحافظات الجنوبية ظلت أصوات الحراك الجنوبي تتعالى بالدعوات المطالبة بالانفصال أكثر من أي وقت مضى، وتبدد حاليا التأييد الذي كان موجودا لمؤتمر الحوار الوطني إلى حد كبير، وهناك أقلية من نشطاء الحراك الجنوبي تسعى إلى الاستقلال أو مزيد من الحكم الذاتي للجنوب لا تزال تتحدث صراحة عن إمكان وجود فيدرالية مكونة من إقليمين (الشمال والجنوب).
كما شهدت المحافظات الجنوبية عمليات إرهابية عديدة لجماعة «أنصار الشريعة» التابع لتنظيم القاعدة في حضرموت وشبوة.
عام الانتكاسة
أكد الدكتور عادل الشجاع أستاذ علم الاجتماع لـ»مكة» أن 2014 هو عام الانتكاسة، حيث توارت حركات دينية وأحزاب عن المشهد السياسي، ما سينعكس على 2015، وقد يشهد العام مزيدا من العمليات الإرهابية للقاعدة، ومزيدا من سيطرة الحوثيين، وتزايد نفوذ الجنوبيين.
وأضاف لن تعود سلطة القانون إلا بتشكيل مجلس عسكري يعمل لرسم خارطة طريق للذهاب لانتخابات رئاسية وبرلمانية، أو العودة للجزء المتبقي من المبادرة الخليجية الذي لم ينفذ.
مصالحة وطنية
يرى المراقبون أن عام 2015 سيكون ملغوما بمشاكل عدة في ظل مواصلة نهج مليشيات جماعة الحوثي التي حدد زعيمهم عبدالملك الحوثي مسارات ثلاثة تتمثل في استمرار نهج ثورة 21سبتمبر، في حين يتنبأ البعض بفض تحالف الحوثي مع النظام السابق وحزب المؤتمر الشعبي العام الذي يديره صالح، وظهور بوادر خلاف تحددها المصالح مستقبلا أو الدخول في مصالحة شاملة للجميع بناء على دعوة أطلقها السابق صالح مؤخراً.

