كما قلت في مقال سابق، فإن هبوط أسعار النفط يسيطر على مجريات الحديث، نعم.
الترقب كان وما زال ساخنا على مستوى الشارع، وفي المقابل ثمة تفاؤل ازداد مؤشر ارتفاعه تزامنا مع صدور الميزانية العامة في ثوبها الجديد، ولعل فيما تلا إعلانها من تحليلات وتوضيحات على ذمة الجهات المسؤولة -ذات العلاقة والاختصاص- أقول لعل في ذلك ما ساهم في تبريد قلق الشارع ودفع به إلى مربع الاطمئنان.
عموما الأمور بشكل أو بآخر مبشرة بالخير، ويبقى في نظري أن انخفاض الإيرادات لأي سبب يتعلق بأسعار البترول لن يقلق الدولة كثيرا وقد حَسبت حِسابها فيما مضى، أيضا لن يؤثر بشكل مباشر وقوي على استمرار تدفق الإنفاق عبر المنافذ الحيوية المتعلقة بالإنسان وشؤونه.
والشاهد أن الميزانية الحالية سيطرت على مناطق قلق الرأي العام بإظهارها أدلة المحافظة على استمرار “برنامج الابتعاث” - هم النخبة وحلم العامة، وتقديمها ثبوتيات الحماية اللازمة للصحة والتعليم، وما يتعلق بالشؤون الاجتماعية بثقة تترجمها واقعيا الأرقام المرصودة لهذه القطاعات.
في كل الأحوال تبقى تقوية آليات مكافحة الفساد المالي والإداري بكل صوره وأشكاله، الفعل المهم أمام التحديات الاقتصادية مهما كانت طبيعتها، الأمر نفسه ينطبق على مسيرة التنمية في السراء والضراء.
من هذا المنطلق أرى أن الجهات الرقابية وفي مقدمتها هيئة مكافحة الفساد وحماية النزاهة قد دخلت وسط منطقة شد الأحزمة وتعظيم الهمم.
حماية المال العام واجب، ومراقبة سير الأعمال واجب لا خلاف على ذلك، غير أن المفروض استشعاره ذاتيا من كل الجهات دون إيعاز سوى من شرف المسؤولية الوطنية ومعها الأمانة الوظيفية هو أن تُضبط الساعة على دقة المرحلة، وفي هذا إن حصل ما يضمن تغطية الميزانية الحالية للاحتياج ولا يُستبعد وجود الفائض إن استيقظ الضمير وعلا الحس الوطني وفُرقت صفوف المرتزقة من الوظيفة العامة وهذه الأخيرة “علة ماكنة” كما يقول المثل الشعبي الدارج.
إلى كل ذلك، آن الأوان لتوسيع صلاحيات هيئة مكافحة الفساد وحماية النزاهة، تقول المعلومات إن “نزاهة” تتوق إلى تشريعات إجرائية وتنظيمية تمكنها من الدخول على خط التحقيقات وعمل ما يلزم لتسريع المحاكمات بعد أن لمس فريقها أن صورة الهيئة رغم أهميتها بهتت في عيون الرأي العام، وقد استبشر بها خيرا، ومما يستشهد به في هذا الشأن أن نسبة بلاغات المواطنين -المنطقة المشتركة بين الجمهور ونزاهة- قد انخفضت إلى حدٍ غير مسبوق منذ تأسيسها عام 2011 والتحليلات تربط انخفاض مستوى التعاون بعدم تسريع محاكمات الفاسدين رغم اكتمال أركان القضايا.
الخلاصة، أن انخفاض مستوى مكافحة الفساد أكثر خطرا من انخفاض سعر البترول كما أعتقد، وهنا يتجه الرأي إلى ضرورة صدور تشريعات ليس لدعم دور نزاهة فحسب، بل لتوسيع صلاحياتها حتى تتجاوز حدود الضبط والتحري إلى ما هو أبعد وأهم “وعند نزاهة الخبر اليقين” ولها مني بالغ التقدير وكبير العتب.
هبوط مستوى مكافحة الفساد أخطر من هبوط أسعار البترول
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
