هذا السؤال ليس جديدا، ولو بحثنا عن إجابة له لوجدنا عشرات الإجابات الجاهزة المُعلبة، فيكفي أن تقول «مناهجنا» هي السبب، أو أن ترمي ذلك على الاستخبارات العالمية، أو تقول إن هناك من استغلهم وغرر بهم، كل هذه الإجابات ستكون جزءاً من الحقيقة عندما نعتبر السؤال يناقش النتائج وليس الأسباب، لكن ماذا لو تجاوزنا النتيجة وذهبنا بالسؤال للعمق: لماذا الشاب السعودي مهيأ تماماً للتطرف وممارسة الإرهاب؟وللإجابة عن هذا السؤال يلزمنا جلسات طويلة أكبر بكثير من أن يستوعبها مقال، ونحتاج أيضاً لعلماء من الحقول العلمية كافة كي نصل لتشخيص دقيق لجذور المشكلة، هنا سأحاول أن أقترب من الجذور أو الأسباب التي جعلت الشاب السعودي مستلب الشخصية إلى حد كبير.
ومحاولتي هذه لا تنطلق من كوني متخصصا، إنما بصفتي جزءا من نسيج هذا المجتمع، بل جزء من تركيبة هذه الشخصية المتوجسة والمتحفّزة دوماً، فمن هذه الأسباب التركيبة الاجتماعية للمجتمع.
فالبدوي (قبل توحيد المملكة) اعتاد على (الوصاية)، فالشاب تحت وصاية والده، والوالد تحت وصاية شيخ القبيلة، فالرأي الفردي لا قيمة له، ولو حاول الشخص أن يتخذ رأياً منفرداً فمعنى ذلك أنه أحدث شرخاً في التنظيم الاجتماعي الذي لن يتعامل بتسامح مع هذه الجرأة.
فأن تنسلخ من القبيلة وتتخلى عن الولاء المُطلق للترتيب السلطوي الاجتماعي فستجد نفسك وحيداً في مواجهة الأعداء، ولهذا كان دور «التابع» هو الأكثر أمانا ومنطقية في تلك الحقبة، ومع استقرار الجزيرة العربية بعد توحيد المؤسس بدأت رحلة توطين البادية.
لكن مع الانتقال من البادية إلى المدنية انتقل أيضاً الكثير من أدبيات البادية، ومن الطبيعي أنه كلما شعر الإنسان أن البيئة الجديدة تزحف لتذويب عاداته وتقاليده وأديباته المتوارثة فإن ردة الفعل الطبيعية هي التمسّك بها وإحاطتها بنوع من الهالة والقدسية، إذ يشعر أنه بصراع ضد عدو يهدد هويته، لا سيما وهو قادم من بيئة يستحيل أن يعيش فيها المرء دون أعداء، ولا يمكن بتلك البيئة أن تثبت فروسيتك إلا أن تكون الجزء المنتصر في الصراع، لهذا بقيت الأجيال تتوارث حكايات البطولة، وكل جيل يشعر أن كونه ينحدر من بيئة فروسية فهو - لا محالة - شجاع لا ينقصه سوى أن تأتي اللحظة المناسبة ليمتشق سيفه ويعمل به في رؤوس الأعداء.
فأدبيات تلك البيئة ترى أن حماية النفس شأن خاص بالشخص، فأبسط مقياس للرجولة هو أن (تأخذ حقك بيدك) وهذا ما لا تتيحه (المدنية) للشخص، لذا شعر أنها سلبت منه جزءا أصيلا من شخصيته، خاصة في الأجيال اللاحقة التي تعرفت على هذه العادات والتقاليد عن طريق النقل لا المعايشة، حتى أصبحت تختزل الشجاعة والفروسية في القوة وحدها، ومع الحُقن الهائلة من الروايات أصبح الفرد مشحوناً بطاقة هائلة من القوة المطلقة، وهذا ما شاهدناه من تصرفات أبنائنا الذين انضموا إلى أماكن الاقتتال في داعش مثلاً، فتجد واحدهم تخلّى عن الشجاعة وترك العنان للقوة وحدها، دون أن يشعر بأن الرجولة والشجاعة تمقتان قتل العُزّل، ونحر غير المقاتلين بطريقة بشعة يقومون بها وهم مغتبطون ومنتشون بهذا الفعل المهين، أما القول بأن مجتمعنا متحضّر وواع فهو قول أقرب للرجاء في أحسن الأحوال، ولعل (أُم رقيبة) مثال حي أثبت أن التعصب سواء كان قبليا أو مناطقيا لم يمت أو حتى يخفت، هو كامن وقريب جداً..وللحديث بقية.