سنوات مضت، تراكمت عليها أحداث الأعوام السابقة، إلا أنه ما زال هناك من يتذكر الماضي وإن طاف به الزمان، أو حاول محو ذاكرته النسيان، ليروي القليل من كثير مما عاش عليه الناس خلال السنوات التي مضت بسرعة البرق، كما وصفها الثمانيني العم، شلهوب المقاطي، وهو يهز رأسه متأسفا على وضع الناس في السابق، وكيف كانوا يعيشون حياة البادية، يسعون في مناكب الأرض ويأكلون مما تنبته من الخيرات، وما يأكلونه أو يشربونه من لحم أو حليب مواشيهم التي يرعونها في الأودية والشعاب، دون كلل أو ملل.
وما زال يتذكر الماضي بكل أفراحه وأتراحه، لم ينس منه شيئا، وكأنه الأمس القريب، يتذكر كيف كان يصعد على ظهر الخيل وهو يرعى جمال والده وجده، يسير بها من سهل إلى سهل حتى جاء اليوم الذي قرر فيه صاحب شركة تعمل في صناعة الرخام، شراء جبل «القرين الأبيض» بمحافظة مدركة التي تقع شمال مكة المكرمة، على بعد 140 كلم تقريبا، وكانت الشركة تستخرج منه الرخام وتنقله إلى محافظة جدة، ليتم تصنيعه، ثم يرسل إلى مشروع المسجد الحرام، فما كان منه سوى الالتحاق بركب من يعملون في المشروع، والذي اشترطت تعيينهم فيه القبيلة عندما باعت الجبل على المستثمر، بنحو 16 ألف ريال، توزعها أفراد القبيلة في حينها.
ظل المقاطي يعمل براتب 80 ريالا في الشهر الواحد، واستمر في هذا العمل 9 أعوام وهو يستشعر مع كل حجر، ترفعه الرافعة أو تحطه، مكانة المكان المقدس، الذي سيأوي ذلك الحجر الأبيض، بعد أن عرف من خلال من يعملون معه في الشركة، من أفراد قبيلته، ومنهم من كان يعمل في توصيل الرخام، حيث يقص ثم يوضع رخام لأرضيات المسجد الحرام بمكة المكرمة، استشعر أن ما يقوم به من عمل، لا يقل في أهميته عن أي عمل آخر، يتشرف به صاحبه، ومن يعملون معه، كونه يخدم أطهر بقاع الأرض وأحبها إلى الله، ولم ينس «شلهوب» حينما كان يطوف بالبيت العتيق وهو ينظر بابتسامة راضية، إلى الرخام الذي كان مصدره «جبل القرين الأبيض» أنه أشرف على سير العمل فيه برهة من الزمن طال ما تشرف بها.
المقاطي مشرف جبل الرخام 9 أعوام
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
