X

هل نبالغ حين ننتقد ميزانيات مسلسلاتنا الضخمة؟

الجمعة - 13 يناير 2017

Fri - 13 Jan 2017

في العالم العربي، أثبت موسم شهر رمضان المبارك بأنه موسم البرامج والمسلسلات التلفزيونية الدرامية الأنجح على مدى أكثر من عشرة أعوام مضت. يعود ذلك لحجم الأرباح التي تدرها هذه الأعمال الإنتاجية على القنوات من دخل الإعلانات التجارية، مما دفع القنوات لرفع الميزانيات المرصودة لهذه البرامج والمسلسلات في شهر رمضان عاما تلو الآخر حتى وصلت لأرقام خيالية واجهت بعضها استياء عاما من المشاهدين، خصوصا عند أخذ جودة مخرجاتها المتواضعة بعين الاعتبار.



بعض هذا الاستياء يعود سببه لارتفاع ذائقة شريحة كبيرة من المشاهدين الذين دفعهم الفراغ في الإنتاج التلفزيوني خارج أوقات الشهر الكريم إلى متابعة الإنتاجات العالمية على مدار السنة، والتي تستند قيمتها الإنتاجية على خبرات فنية تفتقر إليها منطقتنا. وقد أثبتت العديد من التجارب أن البرامج والمسلسلات التلفزيونية التي تختار بدأ عرض حلقاتها بعيدا عن شهر رمضان تنجح بميزانيات أقل من نظيراتها التي تعرض في الشهر المبارك، وتكون خارج أي منافسة قد تحد من مشاهداتها -خصوصا في مواسمها الأولى- وبعيدا عن أي استياء أو نقد. ولكن لماذا؟



لنلقي نظرة على هذه الميزانيات التي أثارت موجات من الاستياء. بالنظر إلى الأرقام المتداولة لميزانيات أبرز الأعمال الدرامية والمسلسلات في شهر رمضان الماضي وأعلاها تكلفة، نجد أن متوسط ميزانية موسم واحد هو نحو 53 مليون ريال، هذا على اعتبار أن هذه الأرقام المتداولة صحيحة أو على الأقل قريبة جدا من الأرقام الصحيحة.



عندما نرى هذا الرقم الهائل ونقارنه بالميزانية المرصودة لجميع الأعمال الرمضانية من قبل التلفزيون السعودي في عام 2012 (55 مليون ريال) والتي كانت كافية لإنتاج ست مسلسلات في الشهر الكريم من ذلك العام، نستطيع أن نتفهم بعض مبررات هذا الاستياء. ولكن كيف نستطيع أن ننهض بجودة المحتوى المعروض على شاشاتنا دون رفع الميزانيات المرصودة له؟



قد تكون هناك أسباب مقنعة تقف خلف هذه الأرقام الهائلة. فلنقارن مسلسلاتنا الدرامية بمثيلاتها في الخارج. وقد اخترت لكم في هذا المقال أمثلة على مسلسلات أجنبية من تركيا والولايات المتحدة الأمريكية؛ مسلسل «قيامة أرطغرل» التركي ومسلسلي «True Detective» و»Game of Thrones» الأمريكيين.



أما بالنسبة لمسلسل «قيامة أرطغرل» فيكلف منتجيه نحو 35 مليون ريال للموسم الواحد. بالرغم من أن المسلسل أحدث نقلة نوعية في الإنتاج الدرامي التاريخي عالميا منذ أول عرض له في عام 2014، إلا أنه أقل تكلفة من كثير من الأعمال التلفزيونية في العالم العربي. هل هذا الفارق الكبير بسبب تكلفة الإنتاج أم لأسباب أخرى؟



في المقابل، لدينا المسلسلات الأمريكية ذات الإنتاج الضخم مثل «Game of Thrones» و»True Detective» والتي ترصد الشركات المنتجة لها ميزانيات تصل لعشرات -إن لم يكن مئات- الملايين من الدولارات لكل موسم. وسبب اختياري لهذين العملين من بين سائر المسلسلات الأمريكية مؤخرا هو أنهما الأعلى تقييما على موقع «IMDb» (قاعدة بيانات الأفلام على الانترنت).



بالرغم من أن تكاليف المسلسلات الأمريكية تدخل ضمنها أجور الكوادر الإنتاجية المرتفعة التي تحكمها نقابات مختلفة وتدخل ضمنها الضرائب وغيرها، مما يتسبب في ارتفاع ميزانياتها، إلا أن هذا لا يبرر تماما الفرق الشائع في الجودة بين الأعمال العربية والأعمال الأمريكية على وجه الخصوص.. فهل هناك أسباب أخرى لتواضع الإنتاجات العربية عند مقارنتها بالإنتاجات الأجنبية؟



عندما نبحث قليلا في تفاصيل هذه الميزانيات وفيم يتم صرفها، نجد فروقا أخرى تتعدى مجرد التكاليف الإجمالية، وقد يساعدنا ذلك في تحديد مواضع القصور.



عند حساب أجور الممثلين في المسلسلات -خصوصا النجوم منهم- في العالم العربي ومقارنتهم بنظرائهم خارجه، نجد أنها تشكل نسبتين مختلفتين تماما من إجمالي ميزانيات هذه المسلسلات. ففي العمل الأجنبي (الأمريكي والتركي) يتقاضى نجوم العمل ما بين 15% و20% من إجمالي ميزانيته، أما في الأعمال العربية فتتضاعف هذه النسبة إلى أكثر من 3 مرات. ولكن لماذا؟



أحد الأسباب الرئيسية برأيي لهذا الاختلاف الواضح هو الفرق في استراتيجيات استقطاب المواهب التي تستخدمها القنوات والشبكات والشركات التي تقوم بإنتاج هذه الأعمال. في الغرب، أغلب الأعمال الناجحة تعتمد على طاقم تمثيلي متكامل قد يكون أكثر أفراده من المغمورين.



أما في الشرق الأوسط، فأغلب الأعمال تعتمد على نجم واحد -أو نجمين كحد أقصى- يتكررون سنويا ويتم إبرازهم بشكل واضح كأبطال المسلسل؛ تهدف هذه الاستراتيجية للاستفادة من أسمائهم اللامعة في جذب المتابعين بعكس الأعمال الأجنبية التي تصنع نجوما من أسماء غير معروفة حتى لا يمل المشاهد منها سريعا ولا يقع العمل في فخ الأحكام المسبقة قبل عرضه. ولكن هل هذا هو السبب الوحيد؟



هذا الاختلاف الواضح قد يكون كذلك بسبب طغيان مفهوم «الممثل المنتج» لدينا وندرة وجوده في الساحة الفنية الأجنبية، وقد يكون مسلسل «True Detective» أحد هذه الاستثناءات، حيث إن وودي هاريلسون وماثيو ماكونهي كانا ممثلين ومنتجين فيه. ولأن النجم العربي يقوم غالبا بدور المنتج والممثل سويا، كان أجره من المسلسل أعلى نسبيا من نظيره الأجنبي. ما الحل إذا لرفع جودة أعمالنا الدرامية؟



الحل برأيي يكمن في التنوع؛ ساحتنا الفنية تفتقر للتنوع في الأسماء والوجوه والخبرات والأذواق. تكاد تبدو جميع أعمالنا التلفزيونية متشابهة وجميع الأسماء مكررة. هذا التنوع يجب أن يتم فرضه من المنتجين، سواء كانوا «ممثلين منتجين» أو شركات إنتاج، وقد رأينا تجارب لفرض التنوع في السابق.



أحد أبرز هذه التجارب قادها الفنان ناصر القصبي بمراهنته على طاقم تمثيلي شاب ومخرج في بداياته ليحقق النجاح في مسلسل «37 درجة» على مدى موسمين، وهذا النجاح لم يعق الفنان ناصر القصبي من إنتاج مسلسل «طاش» الذي أكمل موسمه الثامن عشر -والأخير- في عام 2011.



أما في الماضي القريب، فلنا في مسلسل «42 يوما» خير مثال، والذي أدخل عن طريقه المخرج عبدالمحسن الضبعان وصديقه الكاتب فهد الأسطا -بالتعاون مع «الممثل المنتج» مشعل المطيري- أسلوب إثارة سينمائي فريد من نوعه إلى ساحة المسلسلات العربية. بتكرار هذه التجارب سيزيد التنوع في ساحتنا الفنية، وهذا -بطبيعة الحال- سيرفع جودة إنتاجنا التلفزيوني العربي ويخفض أصوات الاستنكار والاستياء عاما تلو الآخر.





ميزانيات المسلسلات عالميا



Game of Thrones


370 مليون ريال



True Detective

127



مسلسل سعودي

56



مسلسل كويتي

55



مسلسل مصري

48



مسلسل تركي

35



نسبة أجور الممثلين من إجمالي الميزانية



المسلسلات العالمية 17 %



المسلسلات العربية 70 %



ما الحل لرفع جودة أعمالنا الدرامية؟



التنوع

التنوع في الأسماء والوجوه والخبرات والأذواق يفرض من قبل المنتجين سواء كانوا ممثلين منتجين أو شركات إنتاج.



توزيع الميزانية

إعطاء المواهب المغمورة أدوارا بطولية عوضا عن نجوم ذوي أجورعالية.