الموصل - العراق: القرن الثالث الهجري:على الضفة اليسرى لنهر دجلة العظيم، وبمحاذاة النخيل السامقات، تمتد الموصل في اتجاه السماء!بجوارها تبزغ (نينوى) عاصمة الآشوريين بقلاعها الحصينة ومعابدها الأثيرة، وليس ببعيد عنها في الجانب الآخر: (الحضر) التي أطلق عليها ذات حين (روما الشرق)، لآثارها التالدة وأديرتها المفعمة بأطياف النبي القادم (عليه السلام).
هناك..تحت ظلال نخلة، كان ثمة فتى (موصلي) يغني لأبي حسن القيرواني موشحه الشهير: «يا ليل الصب متى غده؟»، متجاوبا مع النداءات الشجية لشيخه الموسيقي (عثمان الخطيب)، الذي كان لحظتها على (دكته) المواجهة للنهر، يؤدي موشح (عرج يا حامي حول الحمى) من المدائح النبوية (الشهيرة)!وهناك..تحت عرائش الكروم، ولد (زرياب)، ولعله كان يناغي نفسه مبكرا (بالوتر الخامس)، الذي أذهل به موسيقيي المشرق والمغرب معا!وخارج أحد البيوت كان (المغيرة بن زياد الموصلي) يجهز راحلته لرحلة جديدة صوب بلاد المغرب، بشأن مجموعة من الأحاديث النبوية، التي يهم بالتحري عن (وثوقيتها) بين المحدثين.
وفي (المسجد الجامع) كان العالم اللغوي الهائل (ابن جني) يلقي دروسه الباذخة في اللغة والنحو والأدب!أما (القاضي أبو جعفر السمناني) فقد كان يجهز مجلسه العتيق، لمناظرات جديدة بين الأدباء والفقهاء والمتكلمين، من أجل (توسيع) مدى التأويل والتفكير إلى آخر أمداء العقل الموصلي المتقد فكرا وأسئلة!وفي الساحة الجليلة للمدينة كان حبيب بن أوس يطلق أجمل غواياته الشعرية:«نقل فؤادك حيث شئت من الهوى/ ما الحب إلا للحبيب الأول/ كم منزل في الأرض يألفه الفتى/ وحنينه أبدا لأول منزل»، لتستبد تراجيع فنه في قلوب مغرمي الموصل، فيأخذون في الغناء مديدا!الزمن الإسلامي الجميل:كانت تلك بعض أطياف الزمن الجميل، الذي شهد ازدهار ثقافتنا العربية الإسلامية، كما لم تكن في أي عهد من قبل ومن بعد..الزمن الجميل، الذي كانت فيه بغداد والموصل حاضرتي الدنيا بآدابهما وفنونهما وتعددية ثقافة من يعيشون فيهما من عرب وفرس وهنود ورومان..بكل سماحة وكرم وثقة بالذات وثقافتها..الموصل - العراق 17 شعبان 1435:بعد أحد عشر قرنا من زمن ازدهار الإسلام وثقافاته في الموصل، تدخل عناصر (داعش) إليها، وهي لا تدري عن أي أرض وشمتها أقدامهم الخائبة؟ دخل الدواعش بفكرهم المريض المتطرف ذاكرة مكان، كان حاضرة الدنيا بأسرها، علما وأدبا وفنا وفلسفة واستيعابا لكل الأطياف الإثنية والعرقية والثقافية! ففجعوا بأن كل ما في المكان يلفظهم، لأن عناصر التنظيم كانوا النقيض الموضوعي للعنصر الذي شيدت به هذه المدينة، وأعني به عنصر الإسلام (خالصا وموضوعيا وحقيقيا)، والذي استثمره الناس للبناء والازدهار وصناعة الحضارة..فانبثقت منه بقية العناصر الزاهية، التي فجع بها الدواعش (كذلك): الإنسان الحر ذو العقل والحكمة - العلم- الثقافة- الآداب- الفنون- الحوار، ليستشيطوا غضبا وحقدا، فيكسرون ويخربون، ويقتلون (الإنسان)، ويجرمون العلوم والآداب والفنون! أليس الإنسان عدو ما يجهل؟ ذلك..كان حال (الموصل) مع لصوصها (الجدد)، الذين أفرزتهم (من قريب) خطابات الغلو الديني والتطرف السلفي! ويا لها من ذاكرة (مكان)!..وبعد: فإن ثمة صوتا أعرفه..صوت محمود درويش يعلو الآن رويدا رويدا..لينشج من حمى المفارقة بين الزمنين، للذين عطلوا الحياة من الإسرائليين والداعشيين معا:«أيها المارون بين الكلمات العابرة / اسحبوا أسماءكم وانصرفوا / واسحبوا ساعاتكم من وقتنا وانصرفوا / وخذوا ما شئتم من زرقة النهر ورمل الذاكرة / وخذوا ما شئتم من صور / كي تعرفوا أنكم لن تعرفوا»!وهل يعرف من اتشح (بالسواد) وعاش (بالقتل) وقرأ (بخوف وريبة) وأنصت (لسعالي الجوامع)، أن التي وطئتها أقدام عقولهم هي (الموصل): ذاكرة الإسلام وحضارته وثقافته؟!
حبيب بن أوس يقاتل (داعش) على أسوار (الموصل)!
فيصل الجهني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
