ضربة استباقية نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين قبضت خلالها على عدد من عناصر الفئة الضالة الذين تورطوا في التواصل مع التنظيمات الإرهابية في الخارج، ما يدل على تبني هذه الخلايا للفكر (الداعشي) الذي يستبيح دماء الأبرياء.
واللافت أن المقبوض عليهم توزعت خلاياهم الظلامية في عدد من مناطق المملكة، بينما جندت خلية (تمير) نفسها للتغرير بالشباب تمهيدا للزج بهم في ساحات القتال الملتهبة في العراق وسوريا وغيرهما من الأقطار المضطربة، الأمر الذي يؤكد ضرورة اليقظة المجتمعية للتعاون مع الجهات المعنية برصد ومتابعة أصحاب الفكر الضال والمتعاطفين معه الذين يتمسحون بالدين كمدخل للتغرير بشباب هذا الوطن، لأن بث هذه الأفكار (الداعشية) وتزيينها في عيون الشباب تجاوز همهمات الظلام وشكليات الاستقامة إلى بعض الخطباء المتبنين لفكر الفئة الضالة، مستغلين بذلك سذاجة وسطحية تفكير بعض الشباب للوصول لأهدافهم المندسة، ولعل ما يتم تداوله من قيام وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف بفصل ثلاثة آلاف خطيب في فترة سابقة لعدد من الملحوظات التي رصدتها الوزارة، يكشف خللا يجب التوقف عنده ومعالجته، ووضع الحلول الكفيلة بعدم تسخير المنابر والخطب لأية توجهات مهما كانت الأسباب والدوافع، بل يجب تسخيرها وتوجيهها لفضح مخططات التكفيريين الذين يحاولون النيل من بلاد الحرمين الشريفين بتوظيف من يستطيعون غسل دماغه لتنفيذ أفكارهم الإرهابية ومخططاتهم الخبيثة.
إن الأمر يتعلق بالوطن في أمنه وأبنائه، ولذا فإن كل من هو على تراب هذا الوطن معني بالحفاظ على مكتسباته الأمنية ولحمته الوطنية، كل في موقعه على اختلاف المواقع والمهام، وعلى الأسر ومؤسسات التربية والإعلام والجامعات أن تقوم بواجبها لتعزيز فكر الوسطية والاعتدال وفضح ممارسات التغرير بالشباب التي تسعى لاستدراجهم لمواطن الفتنة والقتال تحت أية شعارات تحاول الالتصاق بالدين وهي بعيدة كل البعد عنه.
وليكن لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دورها في متابعة ومحاربة هذه الأفكار المتطرفة، ولعلها تعمل على تفعيل وحدة أو مركز للأمن الفكري، لتكون متخصصة في هذا الشأن بالتعاون مع جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ومراكز البحوث في الجامعات، لتقوم بدراسة مثل هذه الأفكار المتطرفة ومتابعة أصحابها بالتنسيق مع الجهات الأمنية لتقديمهم للعدالة، وتبصير الشباب بالأهداف التخريبية التي تسعى لها هذه الفئة والمتعاطفون معها.
وأعتقد أن الهيئة وقد جاء على لسان رئيسها العام في جولته التفقدية لفرع الرئاسة بالمدينة المنورة عقب قرار إلغاء الدوريات الميدانية قوله: إن قضيتنا الجديدة أكبر وأهم وهي محاربة الأفكار المتطرفة، وهذه مهمة دينية ووطنية يجب أن تتضافر لها كافة الجهود لمقارعة الحجة بالحجة والفكر بالفكر والأخذ على يدي من يحاول المساس بمكتسبات الوطن الأمنية والحضارية، وكذلك على اللجان الشرعية التي أعلنت وزارة الشؤون الإسلامية عن تشكيلها للقيام بجولات ميدانية مفاجئة دور في تفعيل ضوابط تعيين الخطباء والرفع بأية تجاوزات قد تحدث.
ولعل تضافر جهود هذه اللجان وتنسيقها تسفر عن خطط عملية وشاملة تتكامل مع جهود الأجهزة الأمنية وجهود هيئة كبار العلماء التي أعلنت أمانتها العامة عن برنامج عملي لتواصل أعضاء الهيئة مع كل مناطق المملكة بالتركيز على المسائل التي يستغلها المتطرفون للتغرير بالشباب، فالعمل على تحصينهم وبيان تطرف هذه الجماعات ولوثها الفكري وبشاعة ما تقوم به من أعمال إجرامية، يجعلهم على وعي ويقظة بما يحاك ضدهم وما يخطط له أعداؤهم الذين هم أعداء الدين والإنسانية.