اللغة العربية هي هوية العرب ولغة الإسلام، وأمنها يعني أمن القومية التي جاء القرآن الكريم بلغتها، وأمن الدين الذي يرتبط قرآنه الكريم وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بعقيدته وشريعته وأخلاقه وسلوكه ومنهج حياته بهذه اللغة، وبالتالي فالمحافظة عليها وأمنها يعني أمن العرب كقومية إنسانية والمسلمين كديانة سماوية خاتمة وناسخة لما قبلها من الديانات.
واللغة عموماً مرآة لأي مجتمع، وذلك للعلاقة بين اللغة والمجتمع حيث تشكل اللغة انعكاساً لحياة المجتمع ولما يحدث فيه، ولذا نشأ علم خاص بذلك وهو علم اللغة الاجتماعي، وبرز كذلك علم آخر هو علم التخطيط اللغوي ليركز على اللغة ومكانتها واكتسابها، ويقال إذا أردت أن تخطط للغة فعليك التخطيط للمجتمع.
وكما أن للبيت والمسجد والمدرسة علاقة بأمن اللغة العربية فكذلك للشريعة الإسلامية الشاملة لشؤون الدين والدنيا علاقة بذلك، كما أن للقانون الشرعي في شأن الدين والوضعي في شأن الدنيا بما لا يخالف الدين علاقة بأمن اللغة العربية حيث يقرر المحافظة عليها ومعاقبة المخالف لها ويبدأ ذلك من صياغة هذه القوانين بلغة عربية قوية وببلاغة جامعة مانعة، ولا ينتهي بتضمين مواده التقيد باللغة العربية واعتبارها لغة رسمية محكية ومكتوبة، ويأتي القضاء في ممارسته للغة العربية من ناحية ولتطبيقه أحكام أمن اللغة العربية من ناحية أخرى محققاً بهما الأمن اللغوي.
ويتخطف اللغة العربية اليوم لغات خارجية ولهجات داخلية، وأخطرها الانهزام الفكري كأن تجد مسؤولاً كبيراً أو أستاذاً شهيراً أو قاضياً في منصته أو عضواً تحت قبة البرلمان وهو يُضمِّن كلامه ولو بشكل عفوي بعض الكلمات الأعجمية مثل (أوكيه) وحتى بعض المصطلحات الأجنبية بلا حاجة لها وإنما اغترار بها وتظاهر بتميزه حين إيرادها، فضلاً عن إيراده لجمل أجنبية خصوصاً الإنجليزية بحجة أنه لا يعرف مقابلها في اللغة العربية وبشكل يتضمن جهله بلغته وربما احتقاره لها وتعاليه عليها.
والشريعة الإسلامية لها دور فعال في أمن اللغة العربية لكونها لا تُفهَم مصادرها إلا بها، ومن ذلك أحكام قراءة القرآن الكريم وتفسيره، ودلالات السنة النبوية وشرحها، والألفاظ في العبادات والمعاملات والعقود والنكاح والطلاق ونحو ذلك، واختار الله جل جلاله بحكمته وعلمه اللغة العربية لغة لكتابه الخالد؛ لأن في هذه اللغة مزايا التعبير والبيان ما لم تحظ به لغة غيرها، ولو وجد لغة أفضل منها قادرة على كشف دقائق البيان وأسرار التعبير لما جاوزها القرآن الكريم إلى غيرها، فاللغة العربية أسمى اللغات على الإطلاق، والدليل أن عالم الغيب والشهادة اختارها أداة لوحيه المنزل على أكرم رسله، وقد جاء النص القرآني على ذلك في مواضع عديدة منها قوله تعالى: «الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ .
إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ».
واللغة العربية تحمل في طياتها من الدقة والبراعة بحيث يختلف المعنى إذا قدمت أو أخرت كلمة عن أخرى، كما أنها تختلف عن غيرها من اللغات في تكوين الجملة كتقديم الفعل على الفاعل، والموصوف على الصفة، وهذا واضح عند المختصين بفقه اللغات المقارن، ولذا نلحظ أن ترجمة القرآن الكريم إلى لغة أخرى تذهب بإعجازه وبلاغته، وقد تحدى النبي صلى الله عليه وآله وسلم العرب قاطبة وهم أهل البلاغة والبيان أن يأتوا بسورة من مثله، وليس التحدي فيما يحويه القرآن من أحكام وتشريعات فحسب وإنما في مثل القرآن بنظمه البلاغي المعجز، والترجمة تذهب بهذا النظم البديع، وتفسد ذلك التركيب البليغ، ولذا جاءت الشريعة الإسلامية بأمن اللغة العربية للمحافظة على بلاغة القرآن الكريم وإعجازه، فضلاً عن تشريعاته وأحكامه، ويمكن اختصار دور الشريعة الإسلامية في أمن اللغة العربية من ناحية وجوب الممارسة لها في شؤون الدين، وتشريع العقوبة على من خالف ذلك.
والقانون جاء بأمن اللغة العربية واعتمدها لغة رسمية، ويُحظَر ما سواها حتى في الأسماء التجارية واللوحات الإعلانية، وقد وردت المادة الأولى للنظام الأساسي للحكم تحت باب «المبادئ العامة» أن المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة دينها الإسلام ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولغتها هي «اللغة العربية»، وهذا دليل على دور القانون في أمن اللغة العربية حيث نُص عليها في المادة الأولى من القانون الأكبر في البلاد وهو الدستور المسمى بالنظام الأساسي للحكم، وهكذا في بقية القوانين (الأنظمة) لجميع القطاعات الحكومية حيث يُنص فيها على اللغة العربية وهذا أمن لها وحمايتها من اختراق اللغات الأخرى.
ولو رجعنا إلى أرشيف القرارات الحكومية لوجدنا التعاميم تترى في وجوب التقيد باللغة العربية تحدثاً وكتابة، وليس هذا مقتصراً على دور التعليم العام والعالي أو حتى التجارة والصناعة، وإنما يشمل حتى دُور السياحة ومن ذلك التعليمات بهذا الشأن من الهيئة العامة للسياحة والآثار للفنادق ودور الإيواء للالتزام باللغة العربية وحق المتظلم تقديم البلاغ للجهة المختصة عند عدم تحقق ذلك، وهكذا في المستشفيات والمطارات والطائرات والسفارات الوطنية في الخارج، فضلاً عن لغة الخطاب الرسمي بالمراسلات والتشريعات القانونية حيث يعتمد على اللغة العربية عند توقيع الاتفاقات والمعاهدات الخارجية.