في رده على مقالة خالد الدخيل عن “المثقف الشيعي وإيران”، اختار محمد الصادق في الأسبوع الماضي هذا العنوان: “المثقف الشيعي..والموقف من طبقة الأوزون” وقد بدأها بنقد حاد وساخر عن حالة المثقفين السعوديين، وأن “الشيء الوحيد الذي يجيدونه في هذه اللعبة إلى جانب التصفيق الحار، هو الشروع في المزايدات الأخلاقية، والتربص بالآخرين، وترقب مواقفهم السياسية”.
إذا كانت بعض هذه المظاهر موجودة فعلا عند شريحة، فمن المؤكد أنها ليست موجودة عند آخرين، وليست مناسبة بأن تكون مقدمة لمناقشة مقالة الدخيل، التي تبدو هادئة وعقلانية في تناول القضية.
فقد بدأ متوترا في مناقشة قضية ذات حساسية، وتعقيد ثقافي من نوع خاص، لا يناسبها التشويش بمثل هذه العناوين الخطابية! استعمال “طبقة الأوزون” شاع عند المثقف العربي منذ أكثر من عقدين ونصف، عندما كانت تتداول كثيرا في نشرات الأخبار كمشكلة بيئية عالمية، واستعملت للتهرب من تهم أو عدم الرغبة في الحوار حول موضوع، وقد لجأ لمثل هذه المبالغة التقليدية حتى وعاظ المساجد للدفاع عن تياراتهم في وجه التهم ضدهم.
لا أريد مناقشة الكثير من التفاصيل حول القضية التي تستحق الجدل والحوار في كتابات طويلة أخرى، وإنما أثار هذا الرد ضرورة وضع إطار عقلاني وموضوعي لكثير من حالات النقد المتبادل بين النخب من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية.
متى يصبح السؤال السياسي والثقافي مشروعا ضد هذا المثقف أو ذاك؟ ومتى يعتبر هذا النوع من الأسئلة عن رأي فلان وفلان منهجيا؟ ومتى يصبح مجرد “استحلاب مواقف” ومزايدات أخلاقية وانتقائية وتصيد...إلخ!؟ التساؤل عن موقف أو رأي هذا المثقف العربي أو ذاك، أو تلك الفئة من تيارات متنوعة يكون مشروعا، وجزءا من تحرير المسائل الفكرية، والمبادئ الأخلاقية لهذا التيار أو ذاك المثقف..إذا كان حول قضايا خاصة بهم ويشتغلون بها، عبر الرأي الصحفي أو الموقف السياسي، والشعارات التي يرفعونها، أو من خلال أي نشاط يمارسونه.
فيسأل الحقوقي أو المعارض وفقا لاهتمامه وتقييم ممارسته وإنتاجه من خلال المهمة التي تشكل مشروعه، ويسأل المشتغل بالنقد الديني وقضايا التشدد عن تقصيره أو تجاهله لنقد هذا التيار أو ذاك المذهب، والمشتغل بالنضال السياسي يحاكم أخلاقيا وقيميا بما يعرف عنه، ويسأل وفقا للشعارات التي يرفعها، والمثقف الرسمي والحكومي أيضا يسأل عندما يخل بالإطار الذي يشتغل فيه ويعلن فيه عن نفسه.
وعندما يكون المثقف علمانيا أو ليبراليا أو إسلاميا فإنه يسأل عندما يتناقض في طرحه مع قيمه التي يتبناها.
وفي هذه الحالة عندما يكون المثقف مشتغلا بالكتابة السياسية الصحفية، ومعلقا على الأحداث في منطقتنا العربية وينتقد الأنظمة التي تسببت في العديد من الصراعات والحروب في المنطقة، وقضايا الإرهاب..فإن سكوته عن إيران المنغمسة في المنطقة بتدخلاتها، وتجاهله لها، أو محاولة اللف والدوران، يصبح مثار سؤال “أوزوني” منطقي! كما يسأل أيضا فيما لو تجاهل دور دول الخليج أو مصر وغيرها.
فالسؤال في هذه الحالة حول خطاب هذا المثقف مشروع، وإذا لم يوجد هو مبررا معقولا، فإن المتابع سيستنتج مبرراته على طريقته، ويجب ألا يغضب المثقف من هذا، وألا يظن أن مجرد الإنكار كافٍ بدون الوقوف على أدلة تساعده على عقلنة خطابه وتحليلاته السياسية.
عندما تفاعل بعض المثقفين العرب مع الربيع العربي، واحتفلوا بسقوط بعض الأنظمة، ثم تغير موقفهم فجأة عندما جاء الدور على نظام بشار الأسد الأكثر ديكتاتورية ودموية في قتل الشعب السوري، تغير موقفهم وأصبح تناول الموضوع يتم بطرق ملتوية، وبدا الحديث عن المؤامرة وإسرائيل.
في هذه الحالة أصبح التساؤل عن تغير موقفهم مشروعا! وقبل عقود كان بعض المثقفين العرب يمارسون ازدواجية مكشوفة في كثير من مواقفهم حول القضايا والأنظمة العربية، ففي الوقت الذي يدينون فيه الديكتاتوريات العربية، يصمت بعضهم عن نظام صدام وتنكيله بالشعب العراقي، ونظام الأسد..والأمثلة هنا أكثر من أن تحصر.
يبدو لي أن جزء الفكرة التي تناولها الدخيل في مقالته تستحق نقاشا أكثر جدية، ولا تستقبل بمثل هذه العناوين.
المثقف الخليجي والسعودي بالذات بمختلف توجهاته بحاجة لشفافية أكثر حول بعض قضاياه.
أدرك أن بعض الموضوعات ذات إشكاليات مركبة ويصعب اختزالها بتقريرات متعجلة، ونتائج جاهزة في مقالات عابرة.
لكن من المهم ألا نتورط بأساليب استغباء تبعدنا عن المنهجية.
ليس من العيب أن نعترف بأن بعض الأفكار والقضايا لها تعقيدات من نوع خاص، تجعل المثقف محاصرا بين خيارات مربكة، تؤثر على خطابه الفكري والسياسي.
متى يصبح "المثقف الشيعي" مسؤولا عن طبقة الأوزون؟!
عبدالعزيز الخضر4 دقائق للقراءة

حجم الخط
