نسمع في جزيرتنا العربية مسميات جغرافية غريبة؛ ورغم تعجبنا منها إلا أننا نحاول جاهدين كسر كل قوانين اللغة العربية لإثبات أنها مسميات عربية، مع العلم أن التاريخ القديم يثبت لنا بأن الجزيرة العربية لم تكن طوال العصور الماضية عربية خالصة، وأنه قد مر عليها حضارات متعددة مثل الفينيقية والكنعانية والرومية، والآشورية، والسريانية، والثمودية، والكندية، والنبطية، والمعينية، والحميرية، والأكادية، والسبئية، وغيرها من الحضارات.
وقد اختلفت أزمان هيمنة هذه الحضارات على بعض أجزاء الجزيرة العربية، واختلفت أماكنها تبعا لتاريخ انتشار الحضارة، وقد اختلفت أيضا في أسبقية ودوام وسيطرة الحضارة، مما استدعى تسمية الأماكن بحروف تابعة لتلك الحضارات حينها.
التنوع كان موجودا وظاهرا في أسماء المدن والقرى والتضاريس والأماكن المختلفة، والتي لم تكن عربية بالمطلق، ولا يوجد لها أصول بالقاموس العربي، بل إن بعضها يوجد على قواميس اللغات القديمة الأخرى، وأكثر ما نجده من ذلك بوضوح، هو وجود معظم مدن الجزيرة العربية على قاموس اللغة السريانية القديمة، والتي ما تزال حتى يومنا هذا موجودة على نطاق ضيق في بعض مناطق سورية، والعراق، وفلسطين.
وانظر لبعض المسميات حولنا لتستطيع تخمين ذلك، نظرا لعدم وجود الأصول العربية للتسمية.
فمدينة تبوك، وتيماء، ورابغ، والخفجي، وتاروت، وسيهات، وبقيق، والدمام، والنعيرية، ورفحا، وخيبر، ويثرب، وأملج، وثول، وصعبر، ورنية، ومرات، وجيزان، ونجران، والمندق، وبلجرشي، والمخواة، والنماص، وتنومة، وسامطة، وتندحة، والمجاردة، وقضريمة، والدواسر، والدوادمي، والقويعية، والغاط، وثادق، وبيشة، والزلفي، والرس.
والكويت، وحولي، والفروانية.
وسنابس، وصدد، وكرانة، ودمستان، وكرزكان، وجونسان.
ودبي، وخورفكان، والخوانيج، وكلباء.
وقطر، والخرسعة، ونثيل، وتمبك.
وعُمان، وصور، والغشب، والبريمي، وثمريت، وكمزار، والرستاق، والسحتن، وفزح.
واليمن، وصنعاء، وإب، وتعز، وذمار، وسقطري، وشبوة، وعدن، والمحويت، والمكلا.
كل تلك وكثير غيرها من المسميات، التي حورناها بعواطفنا، وقاربنا بينها وبين مسميات أشخاص وكائنات من أغرب الأسماء، في محاولة حثيثة منا لتعريبها.
فلماذا يتم ذلك، ولماذا لا نحاول معرفة وإقرار أصلها التاريخي، للإثراء ولمزيد من التيقن حول من كانوا هنا قبل أن يأتي العرب، أو من قبل أن يسود الإسلام على تلك المناطق.
الأمر عند جلائه لن يُنقص من ديننا الإسلامي، باعتبار أنه قد وجد بعد كل تلك الحضارات، ولا دخل له في نشوئها من عدمه.
والأمر لن يهز لغتنا العربية، والتي لم تكن الوحيدة المسيطرة منذ بدء تواجد البشر على الجزيرة العربية، ولكنها أتت في فترة معينة، وبعد تبادل طويل كبير وعظيم للغات سادت ثم بادت، ولا يمكن لحضارة سبقت اللغة العربية أن تنقص من قيمتها مهما كانت.
أنا بالطبع لست باحثا في اللغات التاريخية، لأطرح لكم معاني مسمياتها باللغات القديمة، ولكني أتمنى ممن لديهم التخصص أن يبحثوا في سائر اللغات القديمة، وأن يفسروا تلك المسميات، بمنطق أمين منفتح، لا يستحي، ولا يجامل، ولا يكذب.
تاريخنا المخجول منه
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
