القضية الجنوبية تعد من أهم القضايا المحورية باليمن منذ 2007، عندما سعى الحراك لتحقيق مطالب حقوقية إثر عمليات الإقصاء التي تعرض لها مسؤولون وضباط جنوبيون بعد حرب 1994 من قبل نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح.
ويبدو بعد الانقلاب الدستوري للحوثيين أن مسار الجنوب يتجه نحو حل يتسم بتحقيق شكل من الاستقلالية، ليس بالضرورة أن يأخذ شكل الانفصال، إلا أنه بالإمكان أن تتحقق فيه إدارة مستقلة لشؤونه بعيدا عن الشمال.
دعوات مختلفة
منذ ثورة فبراير الشعبية 2011 ضد الرئيس السابق أصبحت القضية الجنوبية حاضرة وبقوة على الساحة اليمنية وعلى طاولة الخارج الإقليمي والدولي.
وبرزت دعوات مختلفة لحلها، منها من يقول بحلها تحت سقف دولة واحدة، أو من خلال دولة فيدرالية بإقليمين شمالي وجنوبي، وثالث بفصل الجنوب كليا عن الشمال واستعادة دولة الجنوب (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية)، بينما ظهرت أخيرا دعوة لعودة الجنوب العربي التي لا تعترف بيمنية الدولة.
في المقابل، يصر الرئيس السابق لدولة جنوب اليمن نائب رئيس دولة الوحدة حتى 1994 علي سالم البيض على رفض كل مبادرات الحوار من أجل حل القضية الجنوبية، ويتمسك بالدعوة إلى الانفصال الأحادي عن صنعاء، مستندا، إلى دعم حصل عليه من إيران.
ويبدو سيناريو الانفصال الذي رسمه علي البيض أمرا شديد الخطورة في ظل المعطيات الجديدة بانقلاب جماعة الحوثي على شرعية الرئيس هادي وحكومته.
الحوار الوطني
ويمكن القول إن اليمنيين جميعا اتفقوا على أن حل القضية الجنوبية هو المدخل لحل الأزمة المركبة باليمن.
وتبنى مؤتمر الحوار الوطني (مارس 2013 إلى يناير 2014) القضية الجنوبية، إلا أن مخرجاته بإقامة ستة أقاليم لم تلبي طموح بعض الجنوبيين، الداعين لإقامة إقليمين جنوبي وشمالي.
اشتعال مطلب الانفصال، ألقت التطورات الدراماتيكية في الشمال بتأثيرها على المشهد في الجنوب لجهة تعزيز المطالب بالانفصال، خاصة بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء في 21 سبتمبر الماضي، والهجوم على دار الرئاسة، وفرض الإقامة الجبرية على الرئيس وحكومته من قبل جماعة الحوثي التي تمسك بمفاصل الدولة عبر انقلاب استكملت أركانه بالإعلان الدستوري.
هذه الأحداث أوجدت تعاطفا جنوبيا كبيرا ووحدت المتنافرين في سبيل استعادة الدولة في الجنوب، وزادت هذه التطورات من غليان الشارع الجنوبي بعد أن لاقت فعالية ذكرى ثورة أكتوبر الجنوبية في 14 أكتوبر الماضي تصعيدا من قبل الحراك وخارجه حول دعوة تقرير المصير، كتعبير ناعم لمطلب الانفصال.
انقسام الفصائل
لكن مشهد استعادة دولة الجنوب تتنازعه مشاريع مختلفة داخلية تبدأ بانقسام فصائل الحراك لأكثر من 33 فصيلا، ومشاريع بامتدادات إقليمية ودولية لم يفصح الذين تبنوها عن هوية تلك الامتدادات، إلا أن المؤشرات تتجه للأطماع الإيرانية التي باتت تنظر للجنوب بأنه قد يعزز من نفوذها الإقليمي عبر الموقع الاستراتيجي لميناء عدن بالتوازي مع تهديدات الحوثيين باقتحام الجنوب، في وقت عجزت المكونات الجنوبية عن توحيد قيادتها والاتفاق على رؤية واحدة لمخاطبة الغير بشأن استحقاق القضية الجنوبية، فضلا عن ترقب مصير الرئيس المستقيل المنحدر من الجنوب، والذي يرزح تحت الإقامة الجبرية.
شكل الدولة
يرى القيادي في اللجنة الإعلامية للحراك الجنوبي أحمد الدماني في حديث لـ”مكة” أن هناك مساعي لقيادات الجنوب بأن تكون الدولة الجديدة مركزية من فيدراليات متعددة، تكون عدن عاصمتها السياسية وحضرموت عاصمتها الاقتصادية، على أن تكون الإدارة محلية في كل فيدرالية، في المقابل تكون المؤسسة العسكرية موحدة من باب المندب للمهرة تحت قوانين ولوائح وأنظمة موحدة.
وأضاف أن الجنوب بعد الوحدة تعرض لطمس معالمه وهويته التاريخية، كما تم تفتيت مؤسساته لدرجة إزالة أسماء شوارع ومدارس، وتسريح 34 ألف جندي وضابط بالجيش الجنوبي.
واقع القوة
يرى القيادي في الحراك الجنوبي نقيب الإعلاميين حسين أحمد عثمان العمروري في حديث لـ”مكة” أن الجنوبيين في البداية سعوا للوحدة، لكنهم صدموا من الواقع المرير الذي أعقب الوحدة منذ سنتها الأولى مرورا بحرب الظلم في 1994، ووصولا إلى ما نحن فيه من استمرار نفس السيناريو المنفر الذي لا يبشر بإنصاف أو شراكه حقيقية.
وأضاف: إذا كان من حق الحوثيين أن يحكموا ووصلوا للحكم بطريقتهم الخاصة، فإن للجنوبيين أيضا الحق في أن يكون لهم وطن مستقل.
وتابع: طبعا أنا مع إعادة صياغة اتفاقية الوحدة كفدرالية بين إقليمين بدلا من الاندماجية التي أفشلتها قيادات الشمال وما سوى ذلك لن يكون إلا الاستقلال الكامل للجنوب وبحدود ما قبل 1990.
دواعي الاستقلال
تعد اليمن من أفقر دول العالم، و60% من سكانه تحت خط الفقر وتشكل النسبة الأكثر من الفقراء في المحافظات الشمالية، فيما تتركز الموارد في المحافظات الجنوبية، ولهذا يرى كثير من الجنوبيين بأنه من دون الشمال ذي الكثافة السكانية سيكون استقلال الجنوب أفضل، في ظل الحنين لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي لم يمض على استقلالها عن بريطانيا وقتا طويلا (من 1967 إلى 1990)، وشهد الجنوب في تلك الفترة مستوى معيشيا أفضل، بل حقق قفزات كبيرة في التعليم، بشهادات واعترافات دولية.
الجنوب أفضل
رغم مرور أكثر من 25 عاما على الوحدة اليمنية، إلا أن الشباب الجنوبي مقتنع بأن الحياة في الجنوب ستكون أفضل حالا مما هي عليه حاليا بالوحدة مع الشمال نظرا لثرواته الطبيعية وموقعه الجغرافي.
فمساحة المحافظات الجنوبية حوالي ضعف حجم الشمال، ويقطنه فقط خمس سكان اليمن، إضافة إلى ذلك فقد تم اكتشاف الغاز والنفط في منطقة جنوب اليمن في 1982، لكن الاستخراج المكثف للنفط بدأ عقب الوحدة في 1990، وقد تحمل النفط الحصة الأكبر في الاقتصاد و80% من حقول النفط تقع في المحافظات الشرقية حضرموت وشبوة، ويعني ذلك أنها تقع في أراضي المحافظات الجنوبية.
كما أن موقع اليمن إجمالا شماله وجنوبه استراتيجي، حيث تقع معظم المحافظات الجنوبية على البحر العربي، والبحر الأحمر وتتحكم بحركة التجارة والملاحة الدولية، وكذلك مدينة عدن وميناؤها الاستراتيجي والذي يعد ثاني ميناء على مستوى العالم فضلا عن الجزر اليمنية وأبرزها جزيرة سقطرى وجزر عبده كوري من الناحية الغربية التي تشرف على القرن الأفريقي.
كل هذه المقومات تعد مغرية للطامحين بالانفصال، لكن مطالب أخرى في دعوة إقليم حضرموت ومن ثم المهرة في كيانات أخرى منفصلة، عوامل قد تعترض طريق استعادة دولة الجنوب.

